×

ملاحظة

Please enter your Disqus subdomain in order to use the 'Disqus Comments (for Joomla)' plugin. If you don't have a Disqus account, register for one here

محمد التيجاني السماوي

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

دراسة - بوابة الحركات الإسلامية

ليس من السهل ولوج عالم الشيعة في تونس؛ نظرًا لحساسية هذه المسألة وصعوبتها والجدل القائم حولها، وقد اختلفت الآراء حول تلك الظاهرة التي ظلت طي الكتمان في الفترة الماضية.

وبعد سقوط  نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، في يناير 2011، بدأ ظهور لافت وقوي لأتباع الشيعة الإثني عشرية، الذين استغلوا تلك الأجواء الجديدة في تونس في الكشف عن أنفسهم، بل والانتشار ومحاولة شرعنة وجودهم عبر تأسيس جمعيات "ثقافية" وحركات ومؤسسات إعلامية في تونس.

وهناك من يعارض التشيع في تونس، باعتباره طارئًا على المجتمع التونسي الذي يعتنق المذهب المالكي السني وعرف بتناغمه الديني ووحدة المذهب طوال عقود، بخلاف بلدان المشرق العربي التي عانت من ويلات الانقسامات الدينية والمذهبية.

كما أن هناك شكوكًا تحوم حول ارتباط الفكر الشيعي الذي يروج له حاليًا بقوى خارجية لها مصالح استراتيجية في المنطقة ومشاريع مستقبلية ترغب في تحقيقها من باب الفكر الديني واستقطاب عقول الشباب خاصة أن عدد المقبلين على التحول للمذهب الشيعي تزايد في تونس بعد نجاح ثورة الخميني كمرحلة أولى وبعد انتصارات المقاومة اللبنانية.

وكانت تقارير إعلانية قد كشفت عن مخطط إيراني بدعم من حزب الله اللبناني، وإيران  للتمدد في تونس بعد 2011.

ونتناول في الورقة البحثية واقع ومستقبل التشيع في تونس، خاصة بعد "ثورة الياسمين" في عام2011، والدور الإيراني في دعم التيار الشيعي، ومحاولات السعي لتمدده داخل المجتمع التونسي.

لمحة تاريخية:

رغم أن 85% من سكان البلاد يتبعون المذهب المالكي، وهو أحد المذاهب السُّنِّية الأربعة، فإن نسبة محدودة من التونسيين شيعة.

والتشيع في تونس ظاهرة قديمة جديدة، إذ تمتد جذوره إلى ما قبل الدولة الفاطمية وانتشار التشيع الفاطمي انطلاقاً من مدينة المهدية التونسية.

وقد انتشر المذهب الجعفري حديثاً في تونس منذ خمسينيات القرن العشرين وسبعينياته وتحديداً بعد الرحلة الشهيرة للدكتور "محمد التيجاني السماوي"، أحد رموز التشيع التونسي، إلى العراق والتي زرعت بذور التشيع في تونس.

واليوم يوجد في تونس الشيعة الإمامية وينتشرون في ولايات عدة من البلاد مثل قفصة وقابس وسوسة وتونس العاصمة والمهدية.(1).

ويرى شيعة تونس أن مذهب "آل البيت" ليس غريبًا عن البلاد، وأن جذوره تعود إلى "آلاف السنين".

ومن خلال بعض وثائقهم وكتاباتهم، يمكن تقسيم انتشار التشيع في تونس إلى أربعة مراحل كبرى، هي :

- المرحلة البربرية، والبربر هم سكان تونس الأوائل، فبالنسبة لهم كان للبربر في تونس ولاء عظيم لأهل البيت ولهم فيها ثورات، وبالخصوص في زمن استشهاد الحسين، وجرى عليهم القتل والسبي مثل ما جرى على أهل المدينة من قبل السلطة الأموية آنذاك.."، ومن ثم مرحلة الدولة الفاطمية (910 – 973 م) وتأسيس المهدية (921م) التي انتشر خلالها التشيع في تونس.(2).

- ومرحلة أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وعرفت هذه المرحلة بدخول المذهب الجعفري، ويعد الدكتور "محمد التيجاني السماوي" أحد أهم رموزها، يقول في هذا الصدد:".. إن الشيعة انقرضت منذ عهد الفاطميين ولم يعد لها أثر، ومن ثم ظهرت من جديد، ولكن ليس بالطريقة الفاطمية التي كانت إسماعيلية باطنية، إنما بالطريقة الحقيقية لمذهب الإمامية الإثني عشرية الجعفرية.."، ومرحلة الثمانينيات، أي مباشر ة بعد انتصار "الثورة الإسلامية في إيران"، ويسميها السيد "عماد الدين الحمروني" (رئيس جمعية أهل البيت الثقافية وهي جمعية شيعية) بمرحلة " التشيع الحديث"، يقول: "لقد ظهر التشيع الحديث مع ظهور داعي الله الإمام السيد الخميني وأول ظهور كان في بداية الثمانينيات تحت اسم المسلمين السائرين على خط الإمام".(3).

ويقول  د. "عبد الله جنّوف"، أستاذ الحضارة بالجامعة التّونسية والمتخصّص في دراسة المسألة الشّيعية : "كان الطلبة اليساريّون يستفيدون من الدراسات الفلسفيّة العربيّة والغربيّة في مجادلتهم للإسلاميّين الذين كانت كتب الإخوان والكتب الدينيّة "السنيّة" عامّة مصدر ثقافتهم. ولم يكن فيها جواب على كلّ سؤال.

ووُجد الجواب في كتب مؤلّفين من الشيعة أشهرهم "علي شريعتي" و"محمّد باقر الصدر" و"جلال الدين الفارسيّ".

ثمّ تداول الطلبة والتلاميذ كتب "مرتضى مطهّري"، و"محمّد حسين فضل الله"، و"هادي المدرّسي"، و"محمّد تقيّ المدرّسي"، و"محمّد حسين الطباطبائيّ".

وقد نشأ في إطار عمل الاتّجاه الإسلاميّ تيّار إسلاميّ متشيّع سُمِّي "طلبة خطّ الإمام"- واسمهم اقتباس لاسم الطلبة الإيرانيّين (دانشجویان مسلمان پیرو خط امام)- الذين اقتحموا السفارة الأمريكيّة في إيران في نوفمبر 1979.

وفي هذين السياقين تشكّل ما يُعرف في تونس بالتشيّع السياسيّ، وهو موقفٌ سياسيٌّ مؤيّدٌ لإيران، غيرُ مؤسَّس في نشأته على اعتقاد دينيّ شيعيّ".(4).

وهناك العديد من الأسباب التي أدت إلى التمدد الشيعي في تونس، وبالرغم من ذلك لا يستطيع النظام التونسي تجاهل هذه الأسباب التي تساعد على نشر التشيع وما يترتب عليها من نفوذ لحزب الله في تونس، والتي تتمثل فيما يلي،

أولا : استغلال إيران وحزب الله سحق زين العابدين بن علي للحركة الإسلامية وتصفية التدين في تونس لتحسن علاقاتها معه لتخترق الساحة السنية في البلاد، فوثقت علاقاتها بالنظام التونسي على كل المستويات من تعاون سياسي وثقافي خاصة، ففسح المجال أمام الدعوة الشيعية، ورخص لهم ولأول مرة في تاريخ تونس الحديث بتأسيس أول جمعية شيعية في شهر أكتوبر 2003 وهي "جمعية أهل البيت الثقافية"، وقد طرحت على نفسها "المساهمة في إحياء مدرسة آل البيت ونشر ثقافتهم"، كما أذن الدكتاتور ابن علي بتوزيع الكتاب الشيعي هذا، فضلًا عن الاتصال المفتوح والمكثف بين رموز التشيع وإيران، كما وافق الدكتاتور على التحاق طلبة تونسيين بجامعات ومراكز شيعية في إيران.

فالحاصل أن التشيع وجد في تونس في عهد المخلوع مجالًا للنشاط دون أية مضايقة أو اعتراض بل وجد تشجيعًا ودفعًا له.(5).

وكذلك ما قامت وتقوم به البعثات الثّقافيّة الإيرانيّة من خلال سفارتها في تونس من اختراقات لوحدة البناء السّنّي وإرساء فتنة التّفريق بين المُكوّن المذهبي، وذلك عبر نشر لمطبوعات تُشكّك وتنال من عقائد السّنّة وتُؤسّس لعقائدها الفاسدة.

مثل الطّعن في الصّحابة، والثالث الدور الكبير الذي لعبه جماعة "الإسلاميون التقدميون"، ومن أبرزهم "إحميدة النيفر" و"صلاح الدين الجورشي" في نشر كتب مرتضى مطهري وعلي شريعتي وباقر الصدر في مجلتهم 15/21 ومكتبتهم المُسماة "الجديد"، بالإضافة إلى الأثر الكبير الذي تمتع به "حزب الله"؛ بسبب ما يُروج ما قام به من عمل "بطولي" ضد المحتل اليهودي، في ظل تأثير القنوات الشيعية في التونسيين ومن أبرزها قناة "المنار" الفضائية "حزب الله" اللبناني.(6).

كما تعد مزايدة زعيم حركة النهضة "الإخوان المسلمون في تونس" "راشد الغنوشي" على "الإسلاميين التقدميين" الذين بدأوا منذ سنة 1978 يمثلون مشكلة- ربما يكونون المزاحم الخطير والمنافس الأبرز الذين سيختطفون الساحة الإسلامية والشباب الهائج الذي تماهى مع "الثورة" الإيرانية وشعاراتها البراقة، فراح الغنوشي يُزايد عليهم في مواقفه: خطاباته وكتاباته- دورًا في زرع بذرة التمدد الشيعي في تونس .(7).

المرجعية الشيعية في تونس :

وعن المرجعية التي يتبعها الشيعة في تونس، يقول القيادي الشيعي التونسي "عبد الحفيظ البناني" وهو أحد نشطاء التشيع ونائب رئيس جمعية المودة الثقافية ومدير دار الزهراء للنشر: "ليست لنا ارتباطات عضوية مع أي دولة سواء كانت إيران أم غيرها.

وبالنسبة لمسألة ولاية الفقيه فهي وجهة نظر ضمن المدرسة الشيعية أما في تونس فلم يقع تحديد مرجعية خارجية للشيعة.

فهناك مرجعية داخلية تعتمد على مسائل يقلد فيها الشيعي من أراد من المراجع، لكن على المستوى السياسي ليس لنا أي ارتباط مع إيران، وهناك خلط ولبس حول مفهوم ولاية الفقيه من قبل الكتاب الصحفيين في تونس الذين يتناولون هذه الفكرة بإجحاف وظلم ربما غير مقصود وناشئ عن جهل لمفهوم ولاية الفقيه التي هي نظرية دينية سياسية بالأساس وظهرت كردة فعل من قبل مراجع شيعية واستنبطوها من أحاديث منسوبة إلى الامام الاثني عشري بعد الفتنة الكبرى".(8)

ويرى د. عبد الله جنّوف، أستاذ الحضارة بالجامعة التّونسية والمتخصّص في دراسة المسألة الشّيعية: أهمّ أسباب الحديث عن الشيعة باعتبارهم تيّاراً واحدًا قلّةُ المعلومات. فشدّة عملهم بالتقيّة والكتمان تمنع الباحثين من معرفة اتّجاهاتهم وعددهم وانتشارهم وانتماءاتهم الطبقيّة والجهويّة، فيكون الحديث عنهم حديثًا عامًّا.

ويُستفاد من المعلومات القليلة أنّهم ليسوا اتّجاهًا واحدًا، فلهم أربع مرجعيّات، منهم من يقلّد الخامنئي، وهم أكثريّة؛ ومنهم من يقلّد السيستاني؛ وبعضهم من مقلّدي محمّد حسين فضل الله المتوفّى سنة 2010؛ ومنهم من يقلّد الشيرازي.

والخلاف بين الشيرازيّين والنظام الإيرانيّ عميق، وفي مواقع الانترنت ما يدلّ على انتقال آثاره إلى الشيرازيّين في تونس.

وليس الشيعة في تونس طبقة واحدة ولا اتّجاهًا واحدًا، بل هم طبقات واتّجاهات تختلف في الاعتدال والتطرّف والصلة بإيران والنِّظرة إلى المخالف السنّيّ. وهذا أمر ليس خاصًّا بهم، ففي سائر الحركات الدينيّة والأحزاب السياسيّة أصوات متعدّدة.(9)

وبدأت قصة التونسيين مع التشيع بعد الثورة الإيرانية أي في الثمانينيات. والجميع يعرف التيجاني السماوي صاحب الكتب الغزيرة في هذا المجال وعماد الدين الحمروني. وهما أبرز متشيعين تونسيين زارا إيران والتقيا بقادتها.

ويرى المتابعون في تونس أن هذين الرمزين يعتبران مرجعين روحيين يعملان على تأطير باقي المتشيعين ونشر المذهب بين الناس. ويوجد معظم المتشيعين الجدد في بالجنوب التونسي في مدن قابس وقبلي.(10)

وتكشف كتابات بعض الشيعة في تونس على شبكة الانترنت، الظروف التي انتقلوا فيها من المذهب السني(المالكي) إلى المذهب الشيعي الجعفري.

فالدكتور محمد التيجاني السماوي يقول: إن نقاشاً تمّ بينه وبين أستاذ جامعي عراقي (شيعي) على متن باخرة كانت تقوم برحلة بين الإسكندرية وبيروت، وإن هذا النقاش كان مقدمة لطرح الأسئلة والبحث في مذهب آل البيت، خاصة أنه اكتشف جهله لهذا المذهب. ويقول إن نقاشه فيما بعد مع عدد مع المراجع الشيعية (الخوئي ومحمد باقر الصدر)، ومطالعته للكتب والمراجع الشيعية التي أرسلت له من العراق جعلته يقتنع بهذا المذهب ويعتنقه.

أما السيد مبارك بعداش فإن قصة اعتناقه المذهب الشيعي، انطلقت بعد أن عجز عن الإجابة عن عدّة أسئلة تدور بذهنه... وكنت خلال هذه الفترة أبحث عمّا يشبع روحي ويروي ظمأى ويوقظ فطرتي ويجعل وجداني ممتلئًا بشهود الله تعالى ..." إلى أن وجّهه أحد أصدقائه للاتصال بجماعة أهل البيت، فربما يجد إجابات عن أسئلته.

ويقول إنه في أول لقاء مع هؤلاء وقف على جهله بالسيرة النبوية، وهو الذي كان يعتقد أنه ملمّ بها.. وأنه عجز عن الإجابة عن الأسئلة التي طرحت عليه ولم يجد لها إجابات في مراجع السنة .

وكان ذلك منطلقًا لمراجعة معارفه وقراءة السيرة النبوية بعين أخرى، أي من مصادر الشيعة، فوجد الإجابات التي كان يبحث عنها و"عاد إليه توازنه".

وبخصوص السيد عماد الدين الحمروني، فيبدو أنه ينتمي إلى عائلة شيعية في الجنوب التونسي، يقول: "إن أجدادي في الجنوب التونسي هم من شيعة آل محمد، قبل أن تصبح إيران شيعية في القرن السادس عشر ميلادي..". فيما لا يخفي عدد آخر من المنتمين للمذهب الشيعي أن علاقاتهم بأقربائهم وأصدقائهم ، كانت وراء تحولهم من المذهب السني (المالكي) إلى المذهب الشيعي الجعفري .(11)

الانتشار:

وينشط المد الشيعي بشكل خاص في مدينة قابس جنوب العاصمة؛ حيث يتوافد الشيعة على الحسينية الوحيدة الموجودة في تونس، وقد شهدت المدينة التي تضم التجمع الشيعي الأكبر بعد الثورة احتفالات علنية بأعياد ومناسبات شيعية لأول مرة.(12)

واليوم يتواجد الشيعة الإمامية في أغلب المدن والولايات، ومن أهمها ولاية قفصة وولاية قابس وولاية سوسة وولاية المهدية وكذلك تونس العاصمة. (13)

ورصد "حمدي الحاج رمضان" وهو أحد النشطاء في مجال مقاومة المد الشيعي في تونس وصاحب صفحة "الزحف الأسود الإيراني في تونس" على "الفيسبوك"، تزايد عدد المتشيعين في العديد من مناطق وولايات الجمهورية (قابس، طبلبة، القصرين وتطاوين).(14)

وتتجلى نشاطاتهم بإحياء المراسم الدينية والمذهبية مع تبادل الكتب والأشرطة الصوتيّة وبعض النشاطات الأخرى، ويوجد من الشيعة التونسيين من يدرس الدراسة المذهبية في إيران وسوريا.(15)

وذكر  د. عبد الله جنّوف، أستاذ الحضارة بالجامعة التّونسية والمتخصّص في دراسة المسألة الشّيعية : لا يُعرف عدد دقيق، ولا يوجد إحصاء معلن، فالشيعة ما زالوا يعملون بالتقيّة.

ويقول التيجاني السماويّ إنّهم مائة ألف أو يزيدون. وأحسب أنّ هذا العدد غير صحيح، وأنّه من مبالغاته.

ويقول مبارك بعداش -وهو من شيوخ الشيعة- إنّهم عشرون ألفًا. ومن رموزهم من يقدّرهم بنحو اثني عشر ألفًا. وجاء في موقع "مركز اسناد انقلاب اسلامى" (مركز وثائق الثورة الإسلاميّة) أنّ "مجمع جهانى أهل بيت" (المجمع العالمي لأهل البيت) قدّر عددهم سنة 2008 بـ 196 ألف. وقدّر مركز "بيو" (Pew Research Center) الأمريكي عددَهم سنة 2009 بـ 102 ألف. وأظنّ أنّهم لا يقلّون عن عشرين ألفًا. وهذا تقدير مبنيّ على انتشارهم في الولايات كلّها، وأعدادُهم فيها ليست متساوية، فإذا قدّرنا معدَّل الانتشار بنحو ثمان مائة شخص في كلّ ولاية -وفي تونس 24 ولاية- وصل العدد إلى نحو عشرين ألفًا. ولعلّهم أكثر عدداً.(16)،

فيما يقول الدكتور محمد التيجاني السماوي صاحب كتاب “ثم اهتديت” الذي يروي فيه قصة تحوله إلى التشيع، وهو أحد رموز التشيع في تونس، إنهم منتشرون في أغلب محافظات البلاد، ويمارسون شعائرهم وطقوسهم بحرية دون أن يتعرضوا إلى أي نوع من المضايقات. وفي مدينة قابس أنشأ الشيعة أول حسينية لهم وينظر البعض إلى قابس على أنها أصبحت بمثابة مدينة قم الإيرانية في تونس بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من الشيعة التي تحتويها.

غير أن الشيعة ومن أجل إيجاد ما يشبه الحسينيات في المدن الأخرى يقومون باتخاذ مقرات الجمعيات الدينية الشيعية والمجالس الخاصة كحسينيات تجمع أنصارهم للقاء والتعارف والاستقطاب(17)

المؤسسات الشيعية في تونس :

كانت "جمعية آل البيت الثقافية التونسية" التي تأسست نهاية عام 2003بداية للظهور العلني الفج للمد الشيعي الإيراني في تونس، حيث أسسها المدعو "عماد الدين الحمروني" وهو من المتشيعين التونسيين المعروفين بولائهم لإيران وارتباطهم الوثيق بها، ولا يخفي "الحمروني" سعي جمعيته لنشر المذهب الشيعي الجعفري، بل ويتبجح بولائها المطلق لإيران وللمرجعيات الشيعية في قم، زاعما أن التشيع أصيل في تونس، في إشارة تاريخية إلى الدولة الفاطمية الإسماعيلية التي حكمت تونس في القرن العاشر الميلادي.

كما تنظم جمعية آل البيت التي تتلقى الدعم والتمويل عن طرق المركز الثقافي الإيراني في تونس، احتفالات شيعية تتضمن طقوس الشيعة، وذلك بشكل علني وسافر تتحدى فيه قيم المجتمع التونسي السني، حيث دأبت على إحياء أعياد ما تسميه مواليد الإمام علي، والإمام الحسين، والسيدة فاطمة الزهراء، وعيد الغدير، وكذلك إحياء مآتم عاشوراء باللطميات المعروفة لدى الشيعة، وتعتبر هذه الجمعية من أقوى المؤسسات الشيعية في تونس وأكثرها تنظيما وتمويلا، ولا تخفي عداءها الصارخ لأهل السنة، عبر تصريحات استفزازية لبعض أعضائها تطعن في بعض كبار الصحابة والخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين. (18)

بالاضافة إلى "جمعية آل البيت الثقافية التونسية"، هناك "جمعية المودة الثقافية الشيعية التونسية" التي يقودها "مراد الشلبي" وهو تونسي، وإن كان العارفون بالرجل يقولون انه أعتنق المذهب الشيعي، لكنه كان يخفيه ويعمل سرا من أجل اكتساب مزيد من الأتباع وبتنسيق مع إيران عبر سفارتها ومركزها الثقافي في تونس، وكذلك عبر بعض الجمعيات والمراكز الشيعية في المنطقة، وتدين هذه الجمعية بالولاء لإيران وحكامها، وتعتبرهم حكام المسلمين الشرعيين، كما تعتبر داعما كبيرا في المنطقة لحزب الله الشيعي.(19)

رابطة التسامح التونسي:

وفي مارس 2011 تأسست جمعية "رابطة التسامح التونسي"، وهي مقربة من شيعة تونس، الا أن رئيسها صلاح المصري، أن الرابطة جمعية مدنية لا علاقة لها بالانقسامات المذهبية والدينية، وأن الهجمة التي تتعرّض لها منذ أيام وكذلك اتهامها بنشر التشيع في تونس…كلها لها علاقة مباشرة بالتحرّكات التي تقوم بها الرابطة على مستوى القضية الفلسطينية. وقال: ” إن الرابطة ليس لها انتماء شيعي وإنما هي رابطة للتسامح تفتح أبوابها للكل دون استثناء وفي حالة الخروج عن هدف الجمعية الأساسي والحياد به إلى تنفيذ مشروع شيعي في تونس سأكون أنا أول المستقيلين من الرابطة”.

ومن جهة أخرى أكد أن “الرابطة التونسية للتسامح تعتبر حرية المعتقد وحرية الانتماء السياسي حقا مقدسا للتونسي وهي ترفض مطلقا ممارسة سلوك محاكم التفتيش بالنسبة للمسألة الدينية وهي تعتبر الاختلاف حالة طبيعية وتعتبر الأطراف التي تقاوم الاختلاف والتعددية الدينية والمذهبية إنما يعبرون عن حالة امتداد وتواصل لنظام الحزب الواحد المنغلق المستبد"(20).

ومن أهم الشخصيات الاسلامية الشيعية في ربوع الجمهورية التونسية: الدكتور السيد محمد التيجاني السماوي وهو شخصية غنية عن التعريف فقد قاد ويقود حركة التشيع في تونس وذلك بعد تشيعه، والشيخ مبارك بغداش- وهو شخصية تونسية نشطة في مجال الحراك الشيعي، وعماد الدين الحمروني- وهو رئيس جمعية أهل البيت  عليهم السلام الثقافية، ومحمد الرصافي- وهو من شيعة تونس الأوائل من الجنوب التونسي، والسيد محمد العربي التونسي- وهو متشيع في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وأبو الحسن التونسي وأحمد الرياحي، والاسعد بن علي، وحامد فرحاني، وحسن بن شقرا، وحفيظ بالخيرية، وحمزة بن مبارك، وحياة ياسين، وصالح الطيب، وعلي أكبر مالكي، وعلي بن الفيتوري الهواري.(21)

كما أنشأ الشيعة في تونس مكتبات ونوادي لنشر المذهب، من أشهرها "المكتبة الشاملة" وسط العاصمة تونس، بالقرب من جامع الفتح على شارع فلسطين،  والتي توفر الكتب الشيعية الإيرانية بأسعار رمزية، لا تتجاوز بضع دنانير تونسية، ومن أشهر مقتنياتها من الكتب،  "أصول التشيع"، و"عقائد الإمامية"، و"قصة كربلاء" و"العصمة"، و"ظلامة الزهراء في النصوص والآثار"، و"عاشوراء وما تلاها"، و"الحق مع علي وعلي مع الحق"، و"مع الحسين في نهضته"، و"حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر"، و"في رحاب أهل البيت"، يضاف إلى ذلك توزيع هذه الكتب وغيرها مجانًا وتوفيرها عبر الجمعيات الثقافية الشيعية، وكذلك عبر المركز الثقافي الإيراني التابع للسفارة الإيرانية في تونس والذي ينشط في مجال نشر الفكر الشيعي الاثنا عشري في تونس.(22)

ومن المؤسسات الاعلامية الشيعية، صدر "الصحوة التونسية" في يناير 2013 برئاسة الدكتور هشام البوعبيدي، وهي صحيفة أسبوعية وصفوها بأنها أول جريدة "شيعية" هناك؛ لأنها متعاطفة مع الشيعة في بلاد أول ثورات الربيع العربي، ولأن مؤسسها ورئيس التحرير شيعي شهير، وهو أيضاً دكتور بالفلسفة التي امتهن تدريسها لسنوات، وخلالها لم تكن له من الصحافة خبرة ولا حظ ولا نصيب.

وهشام بوعبيدي، المؤيد منذ أول افتتاحية في الصحيفة للنظام السوري، هو من مدينة المناجم الشهيرة في تونس، أي "قفصة" التي ولد فيها قبل 40 سنة، وفي 1983 كان من أوائل المتشيعين في تونس التي يذكر أن عدد الشيعة فيها غير معروف تماماً، "لكني لو أردت تقدير عددهم فسأقول إنهم 7 آلاف على الأكثر، وهم منتشرون في كل المدن، لكن معظمهم في الجنوب"، بحسب ما قال عبر الهاتف من العاصمة. (23) وهناك موقع الكتروني خاص بالدكتور السيد محمد التيجاني السماوي.(24)

ففي حين يؤكد التيجاني أنه ليس للشيعة مطالب في تونس فلا هم يريدون مسجدا أو حسينية أوصحيفة، ويرى السيد عماد الدين الحمروني غير ذلك إذ يرى أن شيعة تونس يهمهم الشأن الوطني ويتدخلون فيه، بل يشير إلى أن التونسيين المنتمين إلى مدرسة أهل البيت ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي متواجدون على الساحة الوطنية وشاركوا مشاركة فاعلة في إسقاط النظام البورقيبي.

لكن وبعد تأمل سريع لموقف الدكتور التيجاني تكشف أن الرجل يصرح بما صرح به لسببين أساسيين يتسقا مع منهج الشيعة إذ يرى التيجاني أنه ليس معقولا أن تطرح كل مطالب الشيعة الآن فالأمور وحسب قوله تجري رويداً رويداً وأنه لا يتدخل في شئون الحكم والحكام حيث لديه مهمة أسمى من ذلك بكثير ألا وهي تقديم النصيحة وكشف الحقيقة فضلا عن أن التيجاني يعتقد – وفق ما لديه من معلومات - أنه ليس هناك أي عائق يعترض التشيع في تونس على شرط أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يتم تجنب التعرض للنظام القائم ولا يتم التآمر عليه.(25)

الحضور الشيعي السياسي:

أما فيما يخص العمل السياسي فإن شيعة تونس كغيرهم يسعون إلى التواجد السياسي وإحداث التأثير بشتى الطرق وهم لا ينكرون ذلك بل إن بعضهم لا يتردد في أن يعرب عن استيائه من أن ذلك لم يحدث بعد ومن ذلك ما عبر عنه زعيم الشيعة في تونس مبارك بعداش وهو أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية في تونس (سنية) وتشيع فيما بعد، حيث أشار إلى أنهم يعيشون تشتتا بين مختلف ولايات الجمهورية الأمر الذي جعلهم غير موحدين ولم يتمكن تيار الشيعة من توحيد صفوفه وقراراته فيما يتعلق بمستقبله السياسي في البلاد.

ولا ينكر بعداش أيضا أن الشيعة في تونس يتحركون وكأنهم كتلة موحدة إذ أوضح أنه وصَلته منذ شهرين مطالب للتحالف مع بعض الأحزاب أو تأمين أصواتهم لحزب معين في الانتخابات القادمة الأمر الذي يعني أنهم يتحركون بشكل جماعي ما يعد تحديا صارخا للدستور والقانون الذي يرفض التمييز على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي فيما يخص التكوينات والتنظيمات السياسية.

بل إنه وبلهجة حاسمة عقّب على ذلك مؤكدا أنهم كتيار للشيعة لن ينضموا إلى أي حزب وهمّهم الوحيد هو جمع شملهم ومن ثم سيفكرون في المشاركة في الانتخابات.(26)

وعلى الرغم من أهميته في ضمان حقوق الشيعة بوصفهم أقليّة مذهبيّة، فحينما ننظر في البيان الصادر عن جمعيّة أهل البيت الثقافيّة بتاريخ 13 يناير نجده أقرب إلى بيان منظمة حقوقيّة، ولا يلامس الجانب السياسي بعمق، بل يكتفي بطرح حلول في إطار الموجود. ويبدو أن تجنّب الشيعة في تونس للعمل السياسي هو خيار مبدئي، قد يصبح في الوضعية الجديدة ظرفيّاً.(27)

فيما يرى أحد قيادات الشيعة في تونس السيد عماد الدين الحمروني، أن شيعة تونس يهمهم الشأن الوطني ويتدخلون فيه، بل أنه يقول" إن التونسيين المنتمين إلى مدرسة أهل البيت ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي متواجدون على الساحة الوطنية وشاركوا مشاركة فاعلة لإسقاط النظام البورقيبي... وإننا الفريق الوحيد الذي لم يسارع في 1987 لتأييد "انقلاب" السابع من نوفمبر، بل أصدر البيانات في الداخل والخارج للمطالبة بالعفو التشريعي العام واحترام الدستور وإعادة الحكم للشعب..." وفي الظرف الراهن ينادي السيد عماد الدين الحمروني ب" بروز حركة وفاق وطني من جيل ما بعد الاستقلال وإحياء الفكر الوطني الحر والدفاع عن الانجازات الوطنية وأهمها الدولة والدستور والدعوة إلى توزيع عادل للثروة وتشجيع الثقافة الوطنية..". كما أنه يقدم تقييمه لأداء المعارضة التونسية (الليبرالية واليسارية والإسلامية)، يقول :" إن ارتباط المعارضة الليبرالية واليسارية بالخارج وارتباطها فكريا وتنظيميا بالمؤسسات والأحزاب والمنظمات الغربية خصوصا الفرنسية أضعف مصداقيتها وأبعدها عن ثقافة الشعب، إضافة إلى ارتماء الإسلاميين في حضن الحركة الوهابية جعلهم مرتعا لظهور وتمكن الفكر السلفي الطائفي.." (28)

وتابع الحمروني، أن الشيعة في تونس واجهوا التضييق منذ بداية ظهورهم و"كثير منهم كان يكتم إيمانه ومذهبه خشية على رزقه وعلى حياته، وتعرّض الكثير منا في عهد النظام السابق إلى التوقيف والسجن ومنع من السفر ولنا الكثير من الإخوة والأخوات ممن قضوا أكثر من عشرين عاماً كلاجئين  في الخارج".

وهنا يورد الحمروني معاناته الشخصية فيقول: تعرضت شخصياً "للإيقاف والتحقيق أكثر من مرة منذ 1989 إلى حدود 2009". ويشرح الموقف: "لقد تحصّلنا خلال أيام الثورة في 2011على الكثير من الوثائق الأمنية تثبت المتابعات الأمنية من طرف وزارة الداخلية لكل من يشتبه به أنه شيعي أو حتى متعاطف.

و تحدث الحمروني حول علاقة الشيعة مع النظام مشيرًا أن للشيعة "حضور سياسي وثقافي وديني فاعل ولكن بأشكال وطنية بعيدة عن الطائفية والمذهبية" وأشار إلى أنه "ليس هناك محاصصة طائفية ولا عرقية في تونس والشيعة مواطنون أولا وبعضهم ناشطون في جل الأحزاب الوطنية من كل الألوان والإتجاهات  من نداء تونس والنهضة إلى الجبهة الشعبية وغيرها من الأحزاب.

وأشار الحمروني إلى أن الشيعة "جزء من هذا الشعب وهناك قلّة مؤمنة تدافع عن المحرومين والمستضعفين"، وأشار الحمروني إلى أن الشيعة شاركوا في الثورة وفي كل مراحل بناء دولة ما بعد الثورة، وقال: نحن نقف مع الدولة وكل مؤسساتها وبخاصة العسكرية والأمنية في مواجهة الفساد والإرهاب وحريصون على إنجاح هذه المرحلة الصعبة من حياة شعبنا ومنطقتنا .(29)

من جانبه يقول قال زعيم الشيعة في تونس مبارك بعداش: إن التيار لم يجد حظه في تونس بعد، موضحا أنه وصلته منذ شهرين مطالب للتحالف مع بعض الأحزاب أو تأمين أصواتهم لحزب معين في الانتخابات القادمة. وقال بعداش: إن أعضاء من المكتب الجهوي لحركة النهضة بقابس اتصلوا به طالبين انضمامهم إلى الحركة، وبعد أيام التقى بأحد أعضاء نداء تونس بقابس رفض الكشف عن اسمه الذي طلب منه التصويت للحزب في الانتخابات القادمة مؤكدًا لهم أن رئيس الحزب الباجي قائد السبسي سيضمن لهم حقوقهم في تونس.

وقال محدثنا أنهم كتيار للشيعة لن ينضموا إلى أي حزب وهمهم الوحيد هو جمع شملهم ومن ثم سيفكرون في المشاركة في الانتخابات.(30)

ومع انهيار نظام بن عل] في يناير عام 2011، كان هناك  اقتحام الميدان السياسي عبر قائمة سياسية تعرف باسم "قائمة أمل تونس الحديثة"، وهي قائمة انتخابية مستقلة لا تنتمي لأي حزب سياسي من الأحزاب القائمة في تونس، وتتلقى التمويلات من إيران ومن بعض المنظمات الشيعية العالمية المرتبطة بإيران، ويقودها محمد محسن الحمدوني، وسلام السعيدي، ويسعى الجناح السياسي للشيعة في تونس إلى التأثير على القرار السياسي للبلد، خصوصا الدبلوماسية التونسية كمرحلة أولى من أجل دفعها نحو المحور الإيراني وإقناع السلطات التونسية بضرورة تحسين العلاقات مع إيران عبر تفعيل التبادل الاقتصادي والتجاري والثقافي.(31)

ولم ينف عدد من محاورينا سعي بعض النخب الشيعيّة التونسيّة في الدّاخل والخارج لتكوين حزب سياسي يجعلهم عنصراً فاعلاً وإيجابياً في مستقبل البلاد، وإذا لم يتحقق ذلك فيرى عبد الحفيظ البناني أحد المتشيعين، أنه ينادي بدعم الأحزاب اليساريّة غير المؤدلجة على غرار الديمقراطي التقدّمي والمؤتمر من أجل الجمهوريّة وحزب الخضر وحزب المجد. وذكر أحد محاورينا أنّ عدداً مهماً من الشيعة يدعمون حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة.(32)

علاقة الشيعة في تونس بالإخوان والسلفيين:

تعددت في الفترة الأخيرة تجاوزات السلفيين حتى بلغ العنف حدّ الصراع المذهبي في عدد من محافظات تونس بين السلفيين والمتشيعين، وهو ما أثار خوف التونسيين من تحوّل تونس إلى ساحة للصراع بين حركتين يعتبرهما البعض "دخيلتين على المجتمع التونسي". وأوضح محمد صالح الحدري، رئيس حزب العدالة والتنمية، أسباب الصراع بين السلفيين والشيعة، قائلاً: "تونس حاليًا بين نارين، مدّ شيعي ومدّ سلفي جهادي يتطاحنان على أرضنا من خلال منافستهما في العالم الإسلامي، فالشيعة يعملون على الامتداد والتواجد في كل الأقطار الإسلامية بإفشاء التشيّع كما أن الحركة السلفية الجهادية تحاول من ناحيتها إيقاف المدّ الشيعي الذي بدأ يتغلغل في الدول الإسلامية منذ الثورة الإيرانية". ويواصل: "بما أن تونس تعتبر رائدة الربيع العربي فالصراع قوي بين الحركتين لأن من سينجح في تونس سيكون له تأثير كبير في بقية الدول العربية والإسلامية لأن تونس أصبحت أنموذجًا، وبالتالي فإن مكانتها كبيرة جدًا بالنسبة لهاتين الحركتين وهذا ما ولّد العنف الذي نراه للمرة الأولى في تونس".(33)

وبلغت هذه الحملة على الشيعة في تونس، ذروتها أول أيام عيد الفطر2012؛ حيث خرج أبو عياض أمير تنظيم "أنصار الشريعة" في تونس الذي لا يخفي ولاءه لتنظيم "القاعدة"، ليقول في خطبة العيد إنه لن يسمح بنجاح ما وصفه بـ"الزحف الشيعي الرافضي" على تونس. وأضاف أنه "لا مكان للشيعة الروافض في تونس، وأن أحفاد عقبة ابن نافع سيطردونهم كما طردوهم سابقاً، وذلك مهما حاول الإعلام تشويه الذين قاموا قومة رجل واحد، غضبة لدين الله ونصرة لإخواننا في الشام، لطرد هذا الخبيث (في إشارة لسمير القنطار)". أضاف: "وقد نبهنا لذلك مرّات عديدة". متسائلًا: "أين من يدّعون انتسابهم إلى أهل السنّة الذين جعلوا أرضنا مرتعا للحاقدين على أصحاب رسول الله، بل الحاقدين على أهل السنّة، بل سمحوا لتنظيم إيران وحزب الله الشيطاني أن يدنّسوا أرض عقبة "، حاملًا باللوم على السلطات التونسيّة التي يراها أنّها "لا تحرّك ساكنا" بل "تستقبل وزير خارجية دولة المجوس، دولة إيران بالأحضان ويفتح له جامع الزيتونة"، مضيفا بوجود "لعب تباع في الأسواق"، والمقصود بها لعبة رأى فيها عديد السلفيين سواء في لبنان أو السودان كما في تونس أنّها تصدر صوتا يدعو إلى "ضرب السيّدة عائشة"، معتبرًا أنّ هذا الفعل "لا يقرّ لصاحبه نصيبا في الإسلام لأنّه لا يقرّ بما أنزل الله من تبرئة أمّ المؤمنين عائشة"، مهدّدًا: "إنّ الذي يسكت عن هذا الظلم، وعن هذا الزحف الإيراني الشيعي الخبيث، في بلادنا، لن يبقى له نصيب من الإسلام إن سكت عن هؤلاء"، ويرى أنّ "المدّ الشيعي" يسعى إلى "إعادة مجد الدولة العبيديّة (أي الفاطميّة)، التي وقف لها أحفاد عقبة وطردوها من البلاد". (34)

وفي17 أغسطس 2012 جرت بمدينة قابس مواجهات بالهراوات والحجارة بين سلفيين متشددين ومجموعة شيعية خرجت في مسيرة بمناسبة "يوم القدس العالمي" الذي يتم إحياؤه سنويا في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان.

وأسفرت المواجهات عن "وقوع عديد الإصابات" وأحرق السلفيون الذين احتجوا على تنظيم المسيرة علم دولة إيران. (35)

ومن أجل مواجهة التشيع،  ظهرت في تونس رابطة تحمل اسم «الرابطة التونسية لمناهضة المدّ الشيعي في تونس» يرأسها المحامي القريب من حركة النهضة الحاكمة أحمد بن حسّانة، وبرأي رئيس الرابطة التونسية لمناهضة المد الشيعي أحمد بن حسانة فإن المجتمع التونسي السني "مستهدف بفتنة نشر التشيع في عبر مخطط يقوم على رصد الأموال وتجنيد الأشخاص وتكوين خلايا نائمة ذات ولاء لإيران ولمراجع شيعية تشتغل حسب أجندات صفوية عنصرية".

ويشدد على أن هذه الجمعية تعمل على "زرع الفتنة الطائفية" في تونس ملاحظا أنها "في ظاهرها منظمة ثقافية وفي باطنها عقائدية مندسة في المجتمع التونسي، ذات ولاء لدولة إيران وأهدافها معادية لهوية تونس السنية المالكية".(36)

موقف حركة النهضة "الإخوان" اتسم بالراغمتيه مع الطائفة الشيعية في تونس، ولم يخفي زعيم الشيعة في تونس الشيخ مبارك بعداش، والذي اعتنق المذهب الشيعي في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بعد أن استقال من حركة الاتجاه الإسلامي، "النهضة" حاليا، حيث كان مسئولا تنظيميا للحركة على كامل جهات الجنوب التونسي، أنه "دعا"، وبطلب من النهضة، كل الشيعة في تونس لانتخاب الحركة في اقتراع 23 أكتوبر2011. ويرى الشيخ بعداش أن حركة النهضة أصبحت "حليفة لأمريكا" مشيرا إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية برئيس الحركة راشد الغنوشي "لكن الكراسي تبدل النفوس، أنا أعرف الغنوشي، قد لا يمسك نفسه عن البكاء عندما يراني لكن السياسة تحتم حماية المصالح".(37)

ويضيف مبارك بعداش، فيقول بعد أن بلغ خبر تشيعه إلى قيادات الجماعة " قال لي راشد (يقصد راشد الغنوشي): هنيئا! هل تشيعت؟ فقلت له: إنني أسألك عن ثلاثة أمور فإن أجبتني عنها تخليت عن التشيع. فقال: لا أريد أسئلتك لأنّنا لا نستطيع أن نجاري الشيعة في النقاش والحوار، فهم حزب قد شيدوا معتقدهم وأحكموا بناءه منذ زمن قديم، ولهم تاريخ حافل من أيام الإمام على (عليه السلام) !. فاستغربت من جوابه! وكان اعترافه هذا محفّزاً لتمسكي بالتشيع، وذلك لأنّني كنت أظن أنّ الشيعة أضعف منّا، وإذا برائد حركة الأخوان في تونس يقرّ بضعف العامة ـ قديماً وحديثاً ـ أمام الإمامية، فوجدت من غير اللائق لأيّ عاقل أن يتسلح بالعصا ويترك السيف!"(38)

من جهته، قال القيادي التاريخي لحركة النهضة وزعيم جناحها السلفي الصادق شورو إنّه "من غير المستبعد أن يكون للمركز الثقافي الإيراني في تونس دور في نشر التشيع حيث تسعى إيران لنشر هذا المذهب في مختلف الدول الإفريقية والعربية"، مشيراً إلى أنّ "السلفيين والشيعة لهم مشاكل تاريخية باعتبار الاحتكاكات والمواجهات التي شهدها الطرفان على مدى التاريخ فيما يتعلق بالقضية الأفغانية، لا سيما بعد تحالف إيران مع الجانب الأمريكي". وأضاف شورو أنّه "من هذا المنطلق ازداد الاحتقان بينهما، وأصبح للسلفيين حساسية ضد الشيعة لما يعتبره الطرف السلفي تناقضا مع المبادئ والواقعية في الإسلام مع هذا المذهب".(39)

العلاقات مع إيران:

ويختلف الموقف بين الولاء لإيران أو التعاطف معها، ويعرف عن المد الشيعي في تونس ارتباطه عضويا بإيران، إذ أن كل الجمعيات والنشطاء الشيعة في تونس يتخذون من علي خامنئي مرجعية دينية وسياسية لهم، ويدينون له بالولاء باعتباره آية الله العظمى وعلى ضوء معتقدهم بولاية الفقيه. وفي تطور يشكل منعطفا خطيرا في تغول المد الشيعي الإيراني في تونس، قامت مجموعة من الشيعة التونسيين المرتبطين بإيران بالاعتداء على بعض الشباب التونسيين من أهل السنة في مدينة بنزرت عام 2012أثناء تنظيم رابطة التسامح الشيعية تظاهرة ضمن تخليد ما يعرف بيوم القدس، وهو تقليد إيراني دعا إليه الخميني، بتخصيص يوم الجمعة الأخير من كل رمضان كيوم للقدس، وقد تخصصت الجمعيات الشيعية والأحزاب ذات الصلة بإيران في تخليد هذا اليوم، لكن بعض المتظاهرين السنة في تونس رفعوا خلال تلك المظاهرات أعلاما وشعارات تؤيد قضية الأحواز والسكان السنة العرب المضطهدين فيها من قبل إيران، فهاجمهم منظمو التظاهرة من الشيعة، ومزقوا الأعلام والشعارات واعتدوا عليهم.(40)

وما عبر عنه التيجاني من مبررات ربما يصدقه الواقع ذلك أنه معلوم لدى الجميع تلك العلاقة الوثيقة بين حركة النهضة التونسية وبين إيران حتى أن الحركة أيّدت وبشكل كامل الاتفاق الذي وقعته وزيرة السياحة التونسية مع الجانب الإيراني وهو الذي أبدت الكثير من الأطراف التونسية تخوفها منه على اعتبار أنه تهديد للأمن القومي التونسي. ولكن وبعيدا عن تصريحات المتشيعين أنفسهم فقد كشف العديد من المتابعين والمراقبين التونسيين عن أن إيران وفي أعقاب الثورة التونسية عام 2011 صعّدت من نشاطها لنشر التشيع وأن المركز الثّقافي الإيراني في تونس هو الجهة المسئولة عن تمويل وتنظيم هذا المدّ حيث توجد بعض الجمعيّات والأحزاب والصّحف الشيعيّة المندسّة في المجتمع المدني على غرار الرّابطة التونسية للتّسامح وحزب الوحدة وجريدة الصّحوة.(41)

وأكّد القيادي في حركة النهضة الحبيب اللوز أنّ "التمويل الأجنبي للطائفية ثابت، والتمويل الإيراني للمجموعات الشيعية واضح قصد نشر مذهبهم، كما تقوم دول أخرى بتمويل الجماعات السلفية". (42)

ويقول بن حسانة: "قمنا يوم 23 أبريل 2012 بالإعلان عن تأسيس الرابطة التونسية لمناهضة المد الشيعي تزامنا مع زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى تونس وافتتاح أسبوع السينما الإيرانية.أردنا من خلال هذا التزامن أن نحدث رمزية باعتبار ان رابطتنا توجه أصابع الاتهام لإيران بنشر التشيع الجعفري في البلدان العربية السنية، وتونس منها، عبر مخطط يقوم على رصد الأموال وتجنيد الأشخاص". ويقول "هناك أجندة سياسية تقف وراءها إيران ولنا فيما يحدث في اليمن ولبنان والعراق أدلة على ذلك...إيران لن تتوانى عن تسليح هذه الخلايا النائمة متى ما دعا الأمر إلى ذلك لخلق الفتنة في إطار ما يسمى بتصدير الثورة الإيرانية".(43)

في المقابل يرى الناشط الشيعي عبد الحفيظ البناني أن هذه التهم باطلة القصد منها الإساءة للمذهب ومتبعيه ويقول "هذه تهم قديمة حديثة لا يتوانى البعض عن إطلاقها مجانا.علاقتنا بإيران مثل علاقتنا بباقي الدول التي تدين بالمذهب الشيعي وتقتصر على الرابط الروحي بيننا وبين إخواننا في إيران".(44) ويقول الناشط الشيعي عماد الدين الحمروني،أن هناك تواصل دائم مع أهلنا وإخواننا في البلدان العربية والإسلامية وبخاصة مع المراجعنا في العراق وإيران، وزيارة الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والنجف الأشرف وقم المقدسة ومشهد الإمام الرضا.(45)

من جانبه يرى د.عبد الله جنّوف ستاذ الحضارة بالجامعة التّونسية والمتخصّص في دراسة المسألة الشّيعية، علاقة الشيعة في تونس بإيران قائلا: أمّا علاقتهم بإيران فأمر تدلّ عليه الوثائق ويؤكّده الواقع، فلا فائدة في إنكاره. وأمّا اتّهامهم بأنّهم مواطنون إيرانيّون في تونس فمبالغة تخفي موقفًا إيديولوجيّاً منهم. وأظنّ أنّ رفع هذه التهمة عمل لا يستطيع إنجازه إلاّ الشيعة أنفسهم. ويستفادُ من آراء الناس فيهم في مواقع الأنترنت أنّهم ينتظرون منهم أمرين. أوّلهما إعلان هويّتهم وانتمائهم، فهم يمارسون النشاط السياسيّ والحقوقيّ ولهم أحزاب وجمعيّات كثيرة. ولكنّهم يحرصون على إخفاء انتمائهم الدينيّ، ويبالغ كثير من زعمائهم في إنكار تشيّعهم. وهذا الإخفاء يثير الريبة، ويُشعر الناسَ بأنّهم يخفون غايات غير التي يُظهرون، وبأنّهم يعملون بأوامر خارجيّة. ومن الصعب إقناع الناس بما يُقال في تبرير ممارسة التقيّة بعد انفتاح مجال العمل السياسيّ ونشاط الجمعيّات. والأمر الثاني أن يشاركوا في صناعة المواطنة، فهذا المفهوم ما زال غامضًا في نشاطهم على شدّة تمسّكهم به في خطابهم. فللمواطنة ثلاثة جوانب: حقوقيّ وسياسيّ واجتماعيّ. والجانب الحقوقيّ هو اعتبارها علاقةً حقوقيّةً بين المواطن والسلطة وبين المواطن والمواطن، إلاّ أنّ هذا الجانب لا يكتمل إلاّ بالمشاركة السياسيّة العلنيّة والعلاقات الاجتماعيّة المنفتحة النامية. وكلّ هذا لا يمكن تحقّقه متى بقي النشاط السياسيّ والاجتماعيّ محكومًا بعقيدة التقيّة أو مرهونًا بعلاقات خارجيّة.(46)

وفي تصريحات صحفية قال رئيس جمعية الوسطية للإصلاح والتنمية، عادل العلمي، إنه وأعضاء جمعيته قد اخترقوا جمعية تونسية شيعية متواجدة في ولاية قابس على أساس الانتماء إليها وسافروا معها إلى دولة إيران فاكتشفوا أن أبرز نشاطاتهم تتمثل في التدرب على استعمال السلاح فقاموا بتوثيق هذه العمليات. وأكد العلمي تصريحاته قائلا إن "الجمعيات والأحزاب التي تنتسب إلى الشيعة كثيرة في تونس وتقوم بتظاهرات ورحلات إلى دول أجنبية للتدرب على استعمال السلاح متخفية بالتراخيص الحزبية والجمعياتية".

وفي تصريحات أخرى لفت العلمي إلى أنه تقدم بمذكرة تفصيلة حول ما أشار إليه من اتهامات صريحة وموثقة لكل من وزارة الداخليّة ورئاسة الحكومة ومع ذلك فإن أحدا لم يهتم بالأمر ولم يتم التحقيق فيها وهو ما يشي بأن النفوذ الشيعي في تونس ليس بسيطا بل إنه وصل إلى حد أنه نجح في التغطية على قضية بمثل هذا الحجم والتي كانت تستدعي أن تتحرك الدولة التونسية وعلى أعلى مستوياتها للتحقيق فيها والتأكد من صحة بياناتها.(47)

نتائج واستخلاصات:

- التشيع في تونس أصبح أمراً واقعاً وظاهرة تمدد وتنتشر في ولايات الجمهورية وسط مبادي الدستور التونسية والتي تتيح حرية العقيدة .

- الدور الإيراني واضح في دعم ونشر التشيع  من خلال المركز الثقافي الإيراني والذي يعتبر بؤرة مهمة في نشر التشيع ورأس حربة لتغلل الإيراني في المجتمع التونسي.

- أتاح سقوط نظام الرئيس التونسي زين الدين بن على وصعود حركة النهضة "جماعة الإخوان" في ظهور الحراك الشيعي وتبؤه مكانة قوية في الاعلام التونسي والمجتمع.

-مخاوف تونسية حقيقة من استغلال طهران للاتفاق السياحي مع تونس في تكرار تجربة نموذج سوريا في تونس والذي سيطرت إيران من خلال برامج الوفود السياحية على دمشق وسوريا.

- وجود مؤسسات ثقافية واعلامية شيعية يفتح الباب على حضور شيعي في مستقبل وسط مخاوف من تكرار تجربة حزب الله في تونس وهو ما يعد أسوأ السيناريوهات المستقبلة للوجود الشيعي والتغلل الإيراني بالبلاد.

-الحضور الإيراني والتغل الشيعي يفتح الباب حول مخاوف من وجود يد لإيران في صناعة القرار التونسي مستقبلا .

BLOG COMMENTS POWERED BY DISQUS