خطوط

قوله تعالى:{وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

إبراهيم الصغير – ريحانة برس

قوله تعالى:{وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة النور22.

قصة الآية:

تذكر كتب التفاسير أن أبا بكر الصديق-رضي الله عنه- كان ينفق على ابن خالته مسطح بن أثاثة المطلبي لقرابته و فقره، و لما خاض مسطح في قضية الإفك المشهورة، أقسم الصديق أن لا ينفق عليه، فنزلت هذه الآية تدعوه إلى الصفح و العفو، و الرجوع إلى النفقة عليه ابتغاء مغفرة الله       و ثوابه.

قال القرطبي: ...المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة -رضي الله عنه- ومسطح بن أثاثة. وذلك أنه كان ابن خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين...و كان أبو بكر -رضي الله عنه- ينفق عليه لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء مسطح فاعتذر وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول. فقال له أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت فيما قيل، ومر على يمينه، فنزلت الآية. وقال الضحاك وابن عباس: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة، فنزلت الآية في جميعهم. والأول أصح...

 و في الصحيحين أن الله تبارك وتعالى لما أنزل:{إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم} العشر آيات، قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى:    {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} إلى قوله:{ألا تحبون أن يغفر الله لكم}.

 قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، فقال أبو بكر رضى الله عنه: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا.

الدروس و العبر المستفادة من الآية:

1-  النهي عن الحلف: ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى(و لا يأتل)، من الإيتلاء و هو افتعال من الألية، و هي اليمين(الحلف). إذن فاليمين التي لا قربة فيها إلى الله و تبين الخير في غيرها فالطاعة و الأولى تركها،      و لهذا نهت الآية عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولى القربى والمساكين، جزاء إساءتهم.

2-  فضل الصديق-رضي الله عنه-: تبين الآية الكريمة فضل أبي بكر الصديق، و شرفه و كماله الديني، حيث التعبير عن فضله و منزلته و هو فرد واحد ب(أولوا) الدالة على الجماعة، تعظيما و تشريفا، و هو صحاب المناقب الغزيرة و الفضائل الكثيرة، و التي منها صدقته و تكفله بنفقة ابن خالته مسطح. إنه أفضل الأمة بعد نبيها.

3-  الترغيب في الإنفاق على أولي القربى و المساكين و المهاجرين في سبيل الله، و بيان فضل و مكانة صلة الأرحام، من خلال خطاب الترفق           و العطف في الآية الكريمة، و إن قاطعوك و أساؤوا إليك.

4-  بيان خطورة قذف المحصنات، والتنبيه على أن القذف و إن كان من الكبائر فإنه لا يحبط الأعمال، بخلاف الشرك، فهجرة مسطح من عمله الصالح، وقذفه لأم المؤمنين من الكبائر ولم يبطل ذلك هجرته، لأن الله قال فيه بعد قذفه لها والمهاجرين في سبيل الله فدل ذلك على أن هجرته في سبيل الله، لم يحبطها قذفه لعائشة - رضي الله عنها و أرضاها-.

5-  من القواعد المهمة في شريعتنا المطهرة أن من أقيم عليه الحد تبرأ ذمته من الفعل المقترف و لا ينبغي الوجد عليه بعد إقامة الحد و لا تعييره بجرمه، و معاملته بناء على سلف منه من فعل.

6-  الحث على الإحسان إلى الناس و إن أساؤوا إليك، و عدم مقابلة إساءتهم بمثلها بل بأحسن منها و هو خلق الصفح و العفو و جعل ذلك تدينا،         ابتغاء عفو و غفران الله عليك مقابل صفحك و تجاوزك عن عباد الله.

7-  سعة رحمة الله و تفضله على القذفة العصاة، و تلطفه عليهم باللفظ في هذه الآية حتى اعتبرها بعض العلماء من أرجى الآيات.

8-     سرعة استجابة الصديق -رضي الله عنه- لأمر الله و رجوعه لحكمه باستئناف الإنفاق على مسطح مباشرة من دون تردد و لا تفكير في يمينه   و مستلزماتها و لاغيرها، فقال مباشرة بعد قوله تعالى(أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، قال: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا.

و الله تعالى أعلى و أعلم.