×

ملاحظة

Please enter your Disqus subdomain in order to use the 'Disqus Comments (for Joomla)' plugin. If you don't have a Disqus account, register for one here

عادل الحسني

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

لن أتحدث كثيرا عن تفاصيل قصتي بالرجل ولن أركز على قصته فهي مشهورة بالتفصيل في المواقع .. إنما عبر قصتي معه وقصته مع الإرهاب والسجن سأحاول عبر تحليلات شخصية أن أخلص لعدة نتائج هي :

عادل الحسني – ريحانة برس

لن أتحدث كثيرا عن تفاصيل قصتي بالرجل ولن أركز على قصته فهي مشهورة بالتفصيل في المواقع .. إنما عبر قصتي معه وقصته مع الإرهاب والسجن سأحاول عبر تحليلات شخصية أن أخلص لعدة نتائج هي 

لن أتحدث كثيرا عن تفاصيل قصتي بالرجل ولن أركز على قصته فهي مشهورة بالتفصيل في المواقع .. إنما عبر قصتي معه وقصته مع الإرهاب والسجن سأحاول عبر تحليلات شخصية أن أخلص لعدة نتائج هي :
 -
بقدر ماحاول ارتكاب جرائم في حق المجتمعات التي استهدفها بدافع التدين؛ انقلب تدينه العنيف إلى فاعلية إنسانية رفيعة خلال السجن ..وسأحاول صياغة هذين النقيضين لأفهم كيف لجهادي عنيف أن يقرر بسهول أن يعود إنسانا ..خصوصا إذا كان حسه النقدي والانساني حي عكس حالات موغلة في التنظير و"الاعتدال" .
-
التفاعل مع الرجل كجهادي سلفي أجنبي برز في مفارقات غريبة على مستوى المعاملة، فقد كان الأمير المطاع في عدة مدن في المغرب ومحترم لدى الشيوخ ومحط إعجاب لدى المغاربة اللذين تعرفوا عليه .. سينقلب كل هذا الاعجاب والتقدير بعد سجن الجهادي الفرنسي، عكس حالات أخرى احتفظت بمكانتها الاجتماعية والاعتبارية، سيتعرض روبير في السجن لسوء المعاملة من رفاقه الجهاديين وسيشتد ذلك بعد أن يتغير فكره وسلوكه ..
-
سعى الرجل بكل الحيل من أجل أن يفرج عنه، لكن كل ذلك فشل أمام قرار القضاء بالمؤبد، حكى ذلك لي بنفسه ما جعلني أصدق حديثه أكثر عن مراجعاته وتقديراته للشيوخ اللذين لقيهم.
-
مساعدته لي وكونه من كان السبب الوحيد في تتعرف أسرتي على مكان اعتقالي عبر محاميه الذي رافع عني حتى البراءة ..كلها عوامل جعلتني ممتنا للرجل إلى اليوم .. أود أن أرد قليلا من جميله يوما .. أرجوا أن تكون تحليلاتي هاته في أفق تقديم معلومات وأفكار عن النشوء والانخماد النفسي والفكري للإرهاب مساهمة منه هو دون أن يدري أن يكون جزءا من الحل .. وهو في سجنه الآن في فرنسا ولتجنب تكرار المأساة التي أحاطت قبل وبعد كارثة 16 ماي 2003 .

 المفارقات السريعة ..
صاحَب اسم روبير هجمات 16 ماي 2003 الإرهابية، لكنه لم يحاكم بها، حوكم على الإعداد لأسوء منها، وحسب إفادات عدد من رفاقه السابقين (زميل زنزانة سابق وصديق متنور حالي)؛ فقد بايعوه أميرا على تنفيذ أعمال عنف اتجاه - ومن أجل - أهداف سياسية. أذكر أياما قبل اعتقالي تقريرا أعقب ضربات الدارالبيضاء عن روبير وعن تورطه في الهجمات ..
 
بعد أن أحيل كل شيء في هذا الملف الحارق على الهدوء اليوم بدا واضحا أن المسؤول الأمني/الإعلامي عن الملف حينها كان يعمل بارتباك وغضب أنتج العديد من المآسي ربما أكتب عنها فيما بعد وقد فعل الكثيرون ببلاغة أفضل، لكني في هذا الموضوع أركز على أن هذا المسؤول حاول إعلاميا إظهار البعد الدولي للضربات في تقديم صورة الفرنسي الأشقر على القناة الثانية.
 
الثابت لي من خلال كل المقابلات المتفرقة مع رفاق السجن وغيرهم أن روبير فعلا كان مجرما إرهابيا .. تأثر وتبنى فكر القاعدة .. عمل على إنشاء تنظيم محكم حصل منه على بيعة الكثير من الجهاديين من مدن متعددة .. عمل على تسويغ الجرائم التي فكر فيها بالحصول على فتاوى شيوخ مغاربة.. وعند وقوع الضربات ظن أتباع روبير أن ساعة "الفتح" قد حانت.. والواقع أن الرجل وكل أتباعه وكل التنظيمات المماثلة كانت أمام حملة اعتقالات وتفكيك حاسمة ستنهي الأيام الجميلة لمئات الجهاديين المغاربة في سياق تاريخي مساعد صعد بإخوانهم المعتدلين في السياسة..
 
سيظهر تأثير روبير المأساوي في حياة عشرات الأسر المغربية بعد حملات الاعتقال .. فقد سمعت خلال المحاكمات أن كل من التقى به ولو عرضا اعتقل! قد تكون مبالغات معتقلين .. لكن الثابت لدي وكما يقول صديق من فاس بمرح متأسف " حنا كنا كوانب" أي كنا سذج وطيبين لدرجة الغباء كي تصل بنا الأقدار الي السجن بسبب هذا الفكر الذي قاده جهلة وأميون .. وهنا استعمت لأدبيات وقصص طويلة من الضحك لا تسعها هذه المناسبة ..
في مقابل هذا الجانب السلبي الأسود لمساهمة روبير سأقف بنفسي على نقطة التحول في حياة الرجل من إرهابي شديد التمسك بمعتقدات الجهاديين إلى مبشر بضرورة العودة إلى الحس الإنساني الخالص لتدارك الفرق المأساوي الذي خلقه التطرف في حياته وحياة من تأمّر عليهم بالدين.
 
كنت قد دخلت أول مرة سجن الزاكي بعد جلسة قاضي التحقيق الذي استقبلني وقلبي لازال مرعوبا من تعذيب معتقل تمارة السري، وضعوني في زنزنانة أمام مثيلة لها يصلي روبير فيها ..لا زلت أذكره لابسا قميصا رياضيا لفريق "كلاطاساراي" التركي.. لم يتركني الإحساس بعدم تقبل السجن أن أن أتعرف على الرجل سريعا وظننته في البداية مجرم عادي من أوروبا .. بادر بعربية جميلة بالتحية والسؤال عن التهم المنسوبة إلي، كان هذا كافيا بأن أعرف أنه روبير الذي يشغل الصحافة في الخارج..
 
حكى لي أنه مر من جحيم معنقل "تمارة" مثلي ويجب أن استمع لنصائح محاميه كي لا أقع في خطأ اعترافات ما بعد التعذيب التي قد تودي بي للسجن عشرات السنين.. وكي لا أدخل في تفاصيل مملة؛ أعدِّد بإجمال ما قام به روبير لأجلي على الأقل ..لأن من استفاد من مساعدته أيضا أفراد المجموعة التي رافقتها ...و لها حرية النفي أو الاثبات .
 
قدم روبير مساعدة حياة بالنسبة لي .. تسببت بشكل كبير في تجنب سجن كان سيودي بسنوات من عمري، أخبرني بأن أنفي جملة وتفصيلا مضامين محاضر التعذيب..استغرق منه الأمر طوال ليلة كاملة من محاولة الإقناع..دون أن تكون له بي أي صلة أو فضل سابق عليه ..
 
افترض روبير أني مولع بعقائد الجهاديين وكره الدولة وغيرها من الأفكار وحاول أن يراجعها ويفككها كي تخرج من ذهني وينقذ شابا يافعا في التاسعة عشر في عمره من أن يحرق عمره بين الجدران ..
حفظ أرقام هواتف عائلتي وعائلات اصدقائي بسرعة مدهشة وطلب من محاميه التواصل معهم، وبمخاطرته هاته اكتشفت عائلتي أول مرة مكاني واستطعت بفضله أن أنصب محاميا مقتدرا في مثل هذه القضايا.
 
قدم لي تفاصيل كثيرة عرت حجم "العلم" الذي يتوفر عليه شيوخ السلفية الجهادية، ورغم أنه كان لازال معجبا بحسن الكتاني فقد ساعدني على تخطي الكثير من المسلمات الفقهية التي كادت أن تعيق مسار تحقيق البراءة ..
 
ما قدمه لي كان مستعدا لتقديمه لأي إنسان بدافع إنساني كما قال، قوله هذا لمسته من الهدم السريع لكثير من ثوابته أمامي .. من أجلي .. وهو لا يعرفني .. وكنت في المقابل قاسي التدقيق في أجوبته من حيث صحتها وانسجامها مع قناعاته لدرجة أنني غصت في ثقافاته عميقا وقراءاته وعرفت حدود تمكنه من العربية وتحولت محاولات إخراجه لي من القناعات المتشددة إلى نقاش ممتع وعميق في الفكر والفلسفة والسياسة.. افترقنا لما تخطيت مرحلة جلسات قاضي التحقيق وفرح لأجل أني استفدت من مساعداته ..
 
لكنه بدأ يتحدث لي عن أنه مصدوم من أنه لا يستطيع تحديد أخلاق الإسلام في سلوك أغلب المعتقلين اللذين عادوه وأساؤوا له..بعد أن كان ممجدا ..وهذه النقطة سأناقشها في التدوينة القادمة من الموضوع.

من أمير إلى كافر؟!
 
روبير كان جهاديا متطرفا من فرنسا الأنوار ... وضع كل تراث بلاده في الفكر والقيم في هامش اعتباره من أجل التبني الوجودي لهوية عقدية مبنية على العنف أو الجهاد كما يسميه الجهاديون .. هذه الهوية الغريبة للشاب الغربي الأشقر ستشكل مفارقة عجيبة في حياته قبل وبعد سجنه.. مفارقة/تناقض أو تغير أو انقلاب ممن حوله من الجهاديين .. من التبجيل إلى الازدراء .. من التعظيم إلى تحميله كامل المسؤولية السلبية (من أتباعه) من حالة الحب الشديد للوافد الجديد على الإسلام الذي كان مثالا لامعا لكل من يلقاه إلى مسيء للإسلام وجالب للعار ولايستبعد أن يكون موظفا لدى المخابرات الغربية لتشويه هذا الدين كما تكهن أذكى السجناء الجهاديون الممتعضون منه دون سبب واضح غير أنه حالة جديرة بالتأمل حين تنتفخ ثم تجرح كبرياؤنا الدينية بسرعة غريبة في تجربة رجل غربي .. ونعود بسبب هذا "الكاشف" لحجم ضئيل في الأخلاق والمعاملة يكشف الأرضية الجاهلية التي ينبني عليها انتماؤنا القيمي لهذا الدين ..
أقلية ممن امتن لها روبير لدرجة أن ذكر اسم الصحفي عبد الفتاح الحيداوي في إحدى حواراته الاعلامية في سياق الامتنان له ووقوفه الإنساني إلى جانبه دونا عن اغلبية المعتقلين اللذين ناصبوا له العداء سواء الديني أو عير سرقاتهم المستمرة له.
كان روبير أميرا جهاديا مطاعا مهابا محبوبا   بكل ما لهذه المعاني من حمولة "اغتنام الفيء" - السرقة "الشرعية" - و "إعداد العدة" وأحكام السياسة الشرعية والطاعة وتقديم النساء عبر صيغ شرعيه" ..وبعد السجن تحول لمرتد حتى في مرحلة ماقبل أن يطلب روبير تعميد من رجل دين مسيحي للعودة لدينه الأول..
لكل منا تفسير خاص لحالة غير المسلمين في دخولهم لديننا ولكننا لا نتابع ردتهم وظروفها..وتجمعنا مأساوية الصدمة التي تجعل من قتل المرتد أمرا يطفئ الاختناق ممن يترك ديننا الخاتم على يقيننا الهش/المتين في نفس الآن ..الأمر صعب نفسيا أن نتقبل شخصا يستغني عن جنتنا المفترضة..

الخبير التائب !
 روبير من أوائل الجهاديين اللذين كانو يؤمنون بالعنف والتكفير اختار أن يكتب مراجعة عقدية معلنة للخروج من عقيدة بن لادن، كتب ذلك في وثيقة نشرت على كتاب " سلفي فرنسي" للكاتب ادريسالكنبوري، لكن هذه المراجعة وكما في حالات بعض الشيوخ صيغت من موقع الخبير الموجِّه للدولة والشباب الجهادي معا لإخماد نيران الكراهية وجبر الضرر الذي وقع من الطرفين قبل وبعد أحداث 16 ماي 2003.
التحول من عقيدة إقصائية إلى موقع الخبير والموجه لأجل تفكيكها خلق على الأقل ثلاث مشاكل نظرية وأخلاقية لاحقت كل من تبنى هذا التحول الانقلابي بين نقيضين، سواء في حالة روبير أو غيره.
المشكلة الأولى هي أن قرار تغيير العقيدة بشكل شخصي كان على حساب وضع غير غير شخصي! فروبير كان أميرا ومثالا أعلى لأتباعه ونجما في مخيال جل المعتقلين الجهاديين تحوله هذا مهما كان هادئا وعميقا ومبنيا على قراءات جادة؛ إلا أنه لم يراع كونه كان جماعيا وانتهى فرديا، والفردية هنا تعني التخلي عن المحبين والأتباع... لمصيرهم بعد أن كان هو وغيره من القادة الجهاديين سببا في تعبئة الاعتقاد الديني للشباب بأفكار تركوها خفية عنهم أو تجاوزوهم في ذلك .
المشكلة الثانية التي ساهمت في فشل روبير فيما ترجاه من وثيقة المراجعة وأفشلت سعي كل من تموقع في مكان الخبير المفاجئ هي غياب الشرعية الفكرية لهذه المراجعة، فالدعوة الجهادية مهما كانت متطرفة فقد قدمت جوابا جذابا لمئات الشباب ذلك الوقت، وهاته المراجعات لم تنشأ في سياق كفاح كالذي حول مسار العنف الديني في ايرلاندا الشمالية من العنف المسلح إلى الكفاح مدني، فقادة المراجعات الفكرية ومنهم روبير كان سقف أهدافهم الإفراج ! وفيما بعد كان التفكير في التعويض؟! وتخلوا عن قضاياهم التي ادعوا أنهم كانوا يدافعون عنها بوسيلة العقيدة القديمة، غياب الشرعية الأخلاقية هذه تسبب في نتائج عكسية في ردود فعل السجناء الجهاديين للأسف وسيتسبب فيما بعد في البحث عن شرعية الأرض، أي أن صاحب التوجيه الفصل للشباب الجهادي هم المجاهدون في مناطق النزاع وليس من يكتب ورقات تحلل في الأدلة الدينية وكلا الطرفين يعلم ان الأدلة الدينية المفصلة لم تعني الكثير أمام شرعية ونجومية القادة المجيشِين في الحرب على "الطاغوت".
المشكلة الثالثة هي أن روبير وغيره - ممن كتب أو تبنى مراجعات - دعا لمقاربة تتجاوز الهاجس الأمني لتغيير قناعات الشباب وقد تسبب بهذه الدعوة من حيث علم أو لم يعلم أنه سحب نفسه من الفعل الفكري ووضع في مكانه الدولة، بل وضع نفسه فقط في وضع من تخلى عن كل شيء في سبيل الإفراج !؟ وقدم تبريرات دينية من أجل إطفاء نار الغضب في أحسن الأحوال.
لنتخيل أن روبير أو من في مكانته قاد بنفس الحماس بعد السجن رفاقه في كفاح إعلامي ضد الاحتلال الامريكي وقاد في دعوته حملة تغيير البنية الفكرية ودفع مثلا بأطروحة أن التيار الجهادي - بغباء - خدم القوى الظالمة ووجبت مراجعة خيار العنف وتبني الجهاد في صيغه المتطورة قيميا وتكتيكيا متمثلة في الكفاح السلمي والنضال السياسي حتى تحقيق العدالة الاجتماعية !؟ إنه خيال كان ولازال مفارقا حتى لأكثر "المعتدلين" في السياسة للأسف .

BLOG COMMENTS POWERED BY DISQUS