ادريس هاني : شريعة الحج وفلسفته مقاربة في المتحوّل

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

  ما كان يوما يخطر في بالي أن أتحدّث عن الحجّ، ذلك الركن الركين الذي أحاطته تغيرات الأحوال بكثير من المُلابسات التي تفرض أن يُعاد فيه القول بثوب جديد، ولعلّه لذلك السّبب تحديدا لفت انتباه المؤرّخ والسوسيولوجي أكثر مما هو فارض نفسه على المعنيين بفقه الحجّ في بابه الثابت في دورة الفقه الإستدلالي أو الفتوى أو الآداب المعنوية المعنية بالأسرار الباطنة لهذه الشريعة.

 

ادريس هاني - ريحانة برس

  ما كان يوما يخطر في بالي أن أتحدّث عن الحجّ، ذلك الركن الركين الذي أحاطته تغيرات الأحوال بكثير من المُلابسات التي تفرض أن يُعاد فيه القول بثوب جديد، ولعلّه لذلك السّبب تحديدا لفت انتباه المؤرّخ والسوسيولوجي أكثر مما هو فارض نفسه على المعنيين بفقه الحجّ في بابه الثابت في دورة الفقه الإستدلالي أو الفتوى أو الآداب المعنوية المعنية بالأسرار الباطنة لهذه الشريعة.

ويتطلّب الأمر مقاربة متداخلة إلى أقصى ما تكون المقاربة فاعلة، فالحجّ عنوان الحركة، والحركة ليست ذهابا وإيابا فحسب بل هي بداية جغرافية بحدودها المادية إلى جغرافيا تلامس بالقلب العاشق أركان البيت المعمور في رحلة قوس الصّعود.

حاولت مداخلتي أن تقرأ الحجّ قراءة غير تقليدية، من منطلق أنّ الحجّ له أكثر من حقيقة غير الحقيقة اللغوية والشرعية فهو حقيقة الإقلاع والسفر والسلوك والوصول، وليشهدوا منافع لهم في مستويات المنفعة التي قد تتردّى حتى مستوى المنفعة الحدّية في انحطاط الرحلة والروح إلى أقصاها وهي المقاصد العالية التي تخاطب العقل بعد أن تتحرر من الأصر والأغلال في حركة جوهرية مشهودة، وهذا يعني أن التصنيف نفسه لن يعود كما كان شائعا في مقارباتنا بين فقه أكبر وآخر أصغر، بل سنجترح هنا تصنيفا رباعيا بين فقه صغير وأصغر وفقه كبير وأكبر.

ولكي تتحرك الشريعة هي الأخرى ضمن مصفوفة تكليف معقّدة ومتحركة سنعلن أن هناك ثبوت وإثبات يتوسّطهما مكلّف تتحرك شؤونه ونوازله وعناوينه فيُصار إلى التمييز بين ثلاثية:

الثبوت والثبات والإثبات، شحذ مفاهيم جديدة لتسهيل مقاربة في ضوء الحركة الجوهرية للنفس في هذه الهجرية "الهاجرية" التي تمنح للرحلة عنوانا بعمق الأنسنة لا النسنسة، سنتبين ذلك تُباعا في أحد فصول هذه المقاربة : الحج بين الأنسنة والنسنسة.

سنمرّ على أهمية الرحلة الروحية في عالم هو في وضعية انحطاط عامّة، انحطاط غير قابل للاختزال لا في الروحانية ولا في المادية باعتبار أنّ الانحطاط اليوم عارض على المادة والروح وحتى العادات العقلية والفنّ، انحطاط يعبّر عن نكسة في مراتب الوجود تسري على شؤون الخلق:(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، فهي نكسة لا فكاك منها ومن آثارها التكوينية فالمرتقون المتطهرون فيها على نحو النجاة الفردية هم في بلاء عظيم، فالمادة هي نفسها تعاني أزمة حادّة تماما كالروح، بينما الرشد المنشود لا يقع في الفصل بين هذه الإثنينية ذات الطبيعة الصراعية، فالرشد والخلاص أمران استيعابيان لا قطائعيان، فالقطيعة هنا تشبه حيلة الثعلب حين يقطع رجله للتخلّص من المصيدة، وهذا الرشد سيقع لا محالة ولكنه لم يقع حتى الآن.

سيجد المتلقي في هذه المداخلة مقاربة فقهية للحج تنفض الغبار عن بعض المفاهيم الشائعة والتي هي محل شراكة في التداول والاستعمال لكن سنبين ما به الامتياز هنا في استعمالها وإن اقتضى الحال شحذ أطرافها لتستقيم أكثر في المعاني المتجددة لوظيفة الفقه ومقاصده وفلسفة الأحكام والمتحوّل من عناوينها.

وكذلك مقاربة عرفانية تضع الحج في مسلك الأسفار العقلية، ومقاربة سوسو-دينية تضعنا أمام الغرائبي والمسار الأنثربولوجي الشبيه بالمدارات الحزينة (=ليفي ستراوس) ودور الهابتوس في إعادة توزيع تراتبية الشرائع وتمثّل الأركان وتعزيز الهوية الدينية، وهناك مقاربة تتعلق بالتّاريخ والجغرافيا والرد على من شكك في موقعية الكعبة بناء على فرضيات مبسطة وتبلد في الفكر الجغرافي وهدر استقصائي لاستشراق يعاني هو الآخر من دورة انحطاط في مرحلة موسومة بنهاياته لا تعوض عنها الفوضى الفيلولوجية.

وهناك مقاربة تبحث الحج من وجهة نظر السياسة الشرعية وصولا إلى المنظور الجيوسياسي والجيوستراتيجي للحج في إطار لعبة الأمم وحقائق الإقتصاد السياسي، ودور الحج في تعزيز الموازنة، وأنماط الحج الجديدة في دورة الاستهلاك بحمولته السوسيولوجية، أي حج الأنماط الرأسمالية : الحج من لحظة التأسيس الروحية بواد غير ذي زرع إلى حجّ الطفرة النفطية والرأسمالية المتوحشة(حجّ التوحّش).

دور السياسة في الحجّ ودور الدين في الحج، الكعبة في المخطط الإمبريالي ومتخيل لاهوت التحرير.وسنجد مقاربة الحج والميتوس من خلال حكاية الحجيج المغاربة عن بني كلبون، وهم يحملون معهم في الرحلة زادا من العلم والتصوف وأيضا يحملون معهم أساطيرهم، حكاية بني كلبون والقراصنة المستكلبين، وهو يفتح بابا عريضا عن مسار القرصنة في طريق الحجيج من أنماطه البدائية المستكلبة إلى أنماطه المستحدثة.

وهناك في هذا الباب وغيره وقوف على حقائق عن تاريخ الحجيج المغاربة، أو رحلة الأقصى وآفاقها. إنّ الحج سفر روحي ولا بدّ لكسر رهان باسكال من سفر روحي، وحده السفر الذي يضعك أمام فرصة اليقين المؤسس، فاليقين الذي يستلهمه الكوجيطو لا بدّ أن يستند إلى يقين ظاهر أو خفيّ، أمّا الريبية العامّة فهي فلدقة بروتاغورية لا نهائية، وهذا اليقين لن يصنعه فقه صغير وأصغر ولا فقه كبير بل هي وظيفة الفقه الأكبر بالتصنيف المذكور سابقا وليس بالمفهوم المتداول، فالفروع تحرز صورة الأحكام لكن المعول عليه في السفر الروحي هو الآداب المعنوية للمناسك، ولا نبلغ أهداب البيت المعمور بالفقه الصغير والأصغر ولا حتى بفقه التّكلُّم، لا بدّ من الوقوف على الحقيقة حضوريا وملامستها شهوديّا بواسطة برهان الصّدّيقين، وهذا من خلال تجربة خاصة في السفر الروحي سنرويها عند الاقتضاء.

حينما تنتصر لروحانية الروح ومادية المادة، سندرك الرشد، إذ أنّ المتخاصمين هما في نهاية المطاف الروحانية الرثّة مع المادية الرّثة، وهذا الوفاق غير المعلن سيتكفل به حدس الوجود الذي وحده المنقذ من سُعار الإثنينيات وهو الشّرك الخفيّ الذي يقتضي زواله انقلابا كبيرا في الذّهن البشري، هذا الرشد المنشود يتميز بمصالحة تاريخية بين الثنائيات النّافرة وإعادة اكتشاف حقيقة كلّ منها على حدة، هذا ملخّص ما سنفصّل فيه تُباعا.