خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

الشيخ عبد الغني العمري - ريحانة برس

  إن الاسم "الله" هو اسم الذات واسم المرتبة (الألوهية)؛ وعِلم الذات الذي هو علم القرآن، لا يُدخَل إليه إلا بالاسم الله. هذا يعني أن معاملة العباد ربَّهم، لا يمكن أن تكون معاملة للذات؛ وإنما هي معاملة للأسماء. وكل من يعتقد غير هذا، فإنه لا يخلو من شرك؛ عَلِمه أم جهله. ولهذا السبب بدأ الله كلامه بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]؛ وبدأ أول تنزيل بـ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]. فإذا كان مسمى "الله" هو الذات، فإن مسمى الأسماء هو الاسم "الله". يقول الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]. أما الاسم الرحمن، فهو خليفة الله الذي ينظر به إلى العباد. من أجل هذا، كان البدء من الرحمة، وكان العَوْد أيضا إليها.

       إن من يعامل الخلق بوصفهم موجودين، ويعامل الله من وراء حجاب على الإيمان، ما زال لم يبدأ قراءة القرآن على التحقيق؛ لأن قراءة القرآن تكون بالاسم الجامع، لتتفرع بعد ذلك إلى معاملة مختلف الأسماء الحاكمة على كل التجليات الفعلية والصفاتية المذكورة فيه. وليس من حوادث الوجود ماضيا وحاضرا ومستقبلا (بما في ذلك الآخرة)، إلا ما هو عائد إلى الأسماء. فمن جهل معاني الأسماء، وجهل مظاهرها، فما علم من الوجود شيئا. وكون عوام الناس، على عادات يتوهمون منها أنهم قد حصّلوا شيئا من علم الوجود -وإن كانوا أعلم الناس بعلوم الدين وعلوم الدنيا- لا يغير مما ذكرنا شيئا.

       فإن كان المنزِّهون لم يتمكنوا من التفريق بين الاسم والمسمى، فما الظن بضعاف العقول الذين يقيسون الحق على أنفسهم في معرفة الصفات، والذين انتهوا إلى التجسيم كالتيميين الوهابية، وهم يظنون أنهم على شيء. فهم -مثلا- عندما سمعوا الله يقول: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، ويقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، توهموا أن الله استوى بذاته على العرش. ولم يلحظوا أن العرش فعلٌ لله، لا يمكن أن يحيط بالذات؛ وإنما الإحاطة تكون للذات به وبسواه. ثم هم لم يميّزوا أن الاستواء هو للاسم الله والاسم الرحمن، دون سواهما من الأسماء الفرعية. فمسألة الاستواء إذاً تخص الأسماء لا الذات. والسبب في وقوعهم في هذا الغلط، هو غلبة الحس عليهم، والذي جعلهم لا يفهمون منه إلا ما يُفهم من استواء الأجسام على العروش. ولو أنهم علموا العرش (الجسم الكل) لعلموا أنه ليس بينه وبين العرش المعلوم الذي يكون للملوك إلا الاشتراك في الاسم. كل هذا، لأن عالم الصور المحسوسة أشد تقييدا من عالم المعاني. وهذا يعني أن أهل المعاني يتمكنون من إدراك المحسوسات من المعاني نفسها؛ أما أهل الحس، فلا يتمكنون من إدراك المعاني من المحسوسات إلا نادرا. ولهذا كنا نقول دائما إن أضعف العقول لدى المسلمين هي عقول التيميين الوهابية؛ مع أن الفِرق الكلامية -ومنهم الأشاعرة- لا يسلمون هم أيضا من سقطات في بعض ما يذهبون إليه.

       إن التفاعل الذي يعرفه الوجود، والذي قد يصل إلى حد الصراع، يُنبئ أن الأسماء الإلهية منها ما يكون من الأعوان لاسم ما، ومنها ما يكون من الخصوم؛ وينبئ أنها (أي الأسماء) على تراتب يجعل بعضها حاكما على بعض، وبعضها محكوما لبعض. وعلم الربط بين الصورة المشهودة في الحس (الحروب مثلا والخصومات) وبين الأسماء التي يكون عنها ذلك، ليس في مقدور أي أحد. وإن كانت علوم الدين المعروفة شريفة، فإن هذا أشرفها؛ لأنه يخوّل العبد قراءة القرآن المنشور (العالم المخلوق) المطابق للقرآن المسطور. ومن ملاحظة معاملة الأسماء بعضها لبعض، قد خلُص العلماء بالله إلى تصنيفها إلى ثلاثة أقسام: أسماء الكمال (وهي الأسماء العائدة على الذات) وأسماء الجمال وأسماء الجلال (وهذه الأسماء أكثر مظاهرها في الأحكام الشرعية، وما يماثلها في ملاءمة الأغراض). والخصومة لا تكون إلا بين فريقي الجمال والجلال. والاحتماء من سطوات الأسماء، يكون بدعاء الاسم الله أو الاسم الرحمن، لأنهما وحدهما لهما الحكم على الجميع. وعلم الدعاء بتخصيص الاسم التفصيلي المدعو، لا يكون إلا للعلماء بالله. وهو علم جليل، يندر من يتقنه في الزمان.

       وإن كان الله قد شرع الدين لمعاملته سبحانه، فإن عدم اعتناء علماء الدين بعلم الأسماء ومقتضياتها، يجعل التدين مختلفا عما كان عليه في أصله. ولا شك أن القارئ قد يستشف وجود الوجه العملي من هذا العلم، الذي لا يخرج عنه شيء من الأحداث. وعلى هذا فليقس المرء أمر السياسة المحلية والدولية -مثلا-، بالنظر إلى علم الأسماء؛ وحينها سيعلم أن من آتاه الله هذا العلم، فقد آتاه خيرا كثيرا.

       ولنبحث فيما سيأتي، لم صار المسلمون في العالم بهذه المهانة، مع كونهم على الحق؟ ولو أنهم ائتموا بمن هو أهل للإمامة عند الله، لا بالفقهاء الذين أعمتهم الدنيا عن علوم قرآنهم، حتى أمكن الله منهم الكافرين، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا.

(كُتب هذا المقال بعد مرور ما يقارب الـ "665" يوم، من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).