خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش

بدر الدين الخمالي – ريحانة برس

احتل موضوع التصوف خلال السنوات الأخيرة مكانة مهمة في المجال التداولي المغربي، كما أصبح (التصوف السني) من مسلمات الخطاب الديني الرسمي وعماد السياسة الدينية وأحد الركائز الأساسية في تعريف الهوية والخصوصية الدينية المغربية إلى جانب المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، وتم اعتماده كمحدد مركزي لإعادة هيكلة الحقل الديني، خاصة بعد تولي أحمد التوفيق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وقد انعكس هذا التوجه الرسمي بشكل كبير على عمل وممارسة الطرق الصوفية وعلى حضور التصوف الطرائقي في المشهد العمومي والإعلامي المغربي عبر توسيع مساحات نشاط واشتغال التصوف، ليشمل الثقافة والفن والموسيقى والبحث الأكاديمي والمجال الدبلوماسي (الدبلوماسية الروحية)، كما تم اعتباره من قبل كثير من الحداثيين مدخلا معقولا للقبول بالممارسة الدينية، لما يتميز به التراث الصوفي من تنوع وانفتاح وتسامح مع الآخر دون التقيد بالأطروحات الأصولية، ولما يتميز به المتصوفة من وجهة نظرهم بانكفائهم على ذواتهم وانعزالهم عن المشاركة في التنافس السياسي.

وقد ساهمت استراتيجية الحرب على الإرهاب على المستوى الدولي، حسب العديد من الملاحظين خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية، في تنامي التوجهات الرامية إلى تقوية دور التصوف الطرائقي لمواجهة الحركات السلفية المتشددة،كما أدت هجمات 16 ماي 2003 الإرهابية بالدار البيضاء، على المستوى الداخلي، إلى هذا الصعود اللافت للتصوف الطرائقي بعد وضع خطة إعادة هيكلة الحقل الديني التي اتخذت من التصوف السني أحد معالمها الأساسية في ضمان الأمن الروحي للمملكة، وعموما فإن الاستخدام المكثف للتصوف من قبل المؤسسات الدينية الرسمية في العالم العربي والإسلامي يعود بدرجة أولى حسب العديد من الباحثين الغربيين إلى توصيف الطرق الصوفية بكونها ـ الحركات الدينية التقليدية الأكثر تنظيما واعتدالا في العالم الإسلامي - والاستجابة للدعوات التي عملت المؤسسات البحثية الأمريكية على الخصوص على توجيهها لحكوماتها ولحكومات الدول الإسلامية من أجل اعتماد التصوف الطرائقي كخطاب وممارسة دينية معتدلة ومسالمة في مواجهة النزعات المتطرفة والعنيفة والتنظيمات الإرهابية التي تهدد السلم والأمن والاستقرار المجتمعي على الصعيدين الوطني والدولي والإقليمي، بل إن بعض المؤسسات البحثية الأمريكية اعتبرت في تقاريرها أن الطرق الصوفية هي الوحيدة المؤهلة لتحمل توصيف الوسطية والاعتدال من بين الحركات الدينية في العالم الإسلامي، وقدمت عدة توصيات للعمل على خلق ودعم هذا النوع الجديد من الحركات الإسلامية المهادنة والمتحالفة مع الدول الغربية، والتي يغلب عليها الطابع الصوفي، وتقبل بالقيم العلمانية، وتعمل على منافسة حركات الإسلام السياسي من خلال توظيف مفهوم الإسلام الصوفيالذي يبتعد تماما عن صياغة خطاب معاد للغرب.

إلا أن إعصار ثورات الربيع العربي الذي ضرب عددا من البلدان العربية سنة 2011 لم يشفع بالنجاح والاستمرارية للاستراتيجيات الأمريكية والغربية ـ مشروع الشرق الأوسط الكبير - التي راهنت كثيرا على الطرق الصوفية إلى جانب منظمات حقوق الإنسان والأحزاب العلمانية خاصة في مصر من أجل تقزيم تأثير الحركات الإسلامية (الإخوانية والسلفية) على التوجهات والقناعات الدينية للأفراد وتقليص أدوارها الاجتماعية واستقطابها السياسي للفئات الشعبية، بالموازاة مع عملية التدجين المكثفة للقوى السياسية والمدنية التي كانت تندرج ضمن المشروع الأمريكي لنشر الديمقراطية بالشرق الأوسط. حيث استطاعت الأحزاب والحركات الإسلامية ذات التوجهات الإخوانية نسبة (لجماعة الإخوان المسلمين) والحركات السلفية أن تتصدر المشهد العربي بشكل غير مسبوق سواء في تونس مهد الثورات العربية أو في ليبيا في مرحلة مواجهة نظام القذافي وما بعد سقوط القذافي، أو في مصر حيث تمكن حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين من الفوز بأغلب الاستحقاقات الانتخابية (برلمانية ورئاسية) قبل أن تتحالف القوى العلمانية والمؤسسات الدينية التقليدية والطرائق الصوفية مع المؤسسة العسكرية لإسقاط الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013 وإدخال البلاد في دوامة من الفوضى غير المحسوبة العواقب.

أما في المغرب، فقد استطاع حزب العدالة والتنمية الإسلامي حصد الأغلبية البرلمانية في انتخابات نونبر 2011 وتولي أمينه العام عبد الإله بن كيران رئاسة الحكومة المغربية في إطار تحالف رباعي ضم كلاً من حزب الحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال الذي عوضه حزب التجمع الوطني للأحرار ( الليبرالي ) بعد الخلافات التي حدثت بين أمينه العام حميد شباط ورئيس الحكومة حول طريقة التدبير وإدخال تعديلات على التركيبة الحكومية.

-الصراع داخل المنظومة الصوفية:

تراجع التصوف الطرائقي في المشهد العمومي المغربي مقارنة مع ما قبل الربيع العربي، لا يمكننا أن نقيسه فقط على الانتصار الذي حققته الحركات الإسلامية في المجال السياسي، بل إن له مظاهر أخرى ترتبط بشكل وثيق بطبيعة تدبير الحقل الصوفي الذي تتحكم فيه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي لم تستطع المضي قدما في مشاريعها لهيكلة التصوف بعد تعثر مبادرة تأسيس هيئة كونية (عالمية) للتصوف التي تم الإعلان عنها بملتقيات سيدي شيكر سنة 2009 التي اقترح أحمد التوفيق أن يكون مقرها بالمغرب، وأن يمثل (المغرب بها الطرائق الصوفية...) ويعود تعثرها في نظرنا لسببين: أولهما المنافسة الإقليمية حول التصوف خاصة بين المغرب والجزائر ومصر وليبيا، والتي عرفت أوجها في سنة 2011، وثانيا على مستوى البنى المؤسسة للمشهد الطرائقي المغربي (الزوايا) التي تعرف أزمة تدبير حقيقية، حيث برزت على الساحة خلال السنين الأخيرة خلافات عميقة حول تولي المشيخات وشرعية تمثيل الطريقة والصراعات بين الطرائق في حد ذاتها التي لم تقتصر على استقطاب الأتباع فقط، بل تحولت إلى دعاوى قضائية معروضة على المحاكم المغربية شملت الأمور المالية والصراع حول الهبات والمنح (نموذج الزاوية الشرقاوية) التي أدى تفاقم التناقضات بها إلى الإطاحة بأحد رؤساء المجالس العلمية.

هذا إلى جانب بروز الصراع التمثيلي للطرق الصوفية داخل محاور الانتماء التوصيفي للتصوف من جهة بين التصوف المشرقي والتصوف المغربي، ومن جهة أخرى داخل هذه المكونات بحد ذاتها في إطار لعبة التحالفات الإقليمية والاستثمار السياسي للمكون الصوفي في إطار السباق نحو الزعامة وكسب النقاط الاستراتيجية في قضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدبلوماسية مع دول الجوار وانعكاسات ذلك السباق على المشهد الصوفي العام، ومرد هذا الأمر في نظرنا يرجع بنسبة كبيرة إلى عدم استقلالية الطرائق الصوفية عن السلطة السياسية وتبعيتها لها، ولعدم وجود إطار تنظيمي مستقل يمثل الزوايا والطرائق الصوفية قادر على الفصل في القضايا الخلافية من هذا النوع، ويحول دون استغلال التراث الصوفي من أجل تلبية مطامح كسب النفوذ والحظوة والسعي نحو تحقيق نوازع المشيخة لدى البعض كنموذج نور الهدى الإبراهيمي الذي ادّعى مشيخته للطريقة المشيشية الشاذلية ورئاسته للنقابة العالمية للشرفاء الأدارسة، وأصدر بياناً في دجنبر 2008 من مدينة اسطنبول بتركيا بخصوص عقد المنتدى العالمي للطريقة المشيشية الشاذلية الذي نظمته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالشراكة مع الرابطة المحمدية للعلماء ونقابة الشرفاء العلميين التي يرأسها عبد الهادي بركة، وأقيمت فعالياته بمدينة طنجة في يوليو 2008 تحت شعار (من جبل العلم إلى العالم)، حيث بدا من الواضح أن السعي الرسمي نحو تجديد وإحياء الطريقة المشيشية الشاذلية يهدف إلى جعل المغرب مركزا عالميا للتصوف وفقا لتصريح الدكتور أحمد العبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، في الندوة الصحفية التي انعقدت بفندق «موفنبيك» بطنجة لتقديم المنتدى العالمي الأول للمشيشية الشاذلية، حيث قال إن انعقاد المنتدى بالمغرب جاء نظرا (لمركزية المملكة المغربية كقوة روحية عظمى من واجبها أن تتقاسم مع العالمين بعضا مما حباها الله به).

وهذا ما أثار حفيظة الكثيرين، ودفعهم نحو الدخول في عملية التنافس الشديد على المشروعية في تمثيل الطريقة المنتشرة بشكل واسع في العالم الإسلامي وتتفرع عنها عدة طرق صوفية أغلبها يوجد بمصر، حيث ضريح الإمام الشاذلي، وهو ما أدى كذلك على المستوى الداخلي إلى تأسيس اتحاد الزوايا الشاذلية سنة 2010 الذي مثل خطوة نحو تفعيل جبهة معارضة في مواجهة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، رغبة من المؤسسين في إنهاء استئثارها بتدبير حقل التصوف المغربي وتشكيل إطار تنظيمي يهدف للحفاظ على التراث الصوفي للطريقة المشيشية الشاذلية العريقة.

والأمر نفسه ينطبق على الصراع الدائر على ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش ونقابات الشرفاء العلميين، وداخل نقابات الشرفاء الأدارسة حول الأحقية في التمثيل الرسمي وتدبير شؤون الأضرحة والشرفاء وتولي تسليم وتقسيم المنح والهبات الملكية.

-الممارسة الصوفية الطرائقية:

كما أن طبيعة الممارسة الصوفية الطرائقية التي ترتكز على المواسم والطابع الاحتفالي والفلكلوري تعد إحدى أكبر المظاهر التي يركز عليها خصوم التصوف للطعن في رسالته الإصلاحية والأخلاقية ومصداقية القائمين على شؤونه، خاصة ظاهرة المواسم التي ترتبط بالأضرحة، والتي تبرز خلالها مظاهر الشعوذة والجذب والطقوس المخالفة للشرع في الذبائح، وهي مواسم منتشرة عبر طول المغرب وعرضه لا تكاد تخلو منها منطقة من مناطق البلاد. بل أن بعض الأضرحة تعد مراكز حقيقة لاعتقال المرضى العقليين والنفسيين ومرضى العصاب وتعريضهم للتعذيب والحرمان من الأكل بدعوى إخراج الجن وطرد العفاريت والشياطين من أجساد المصابين.

في السنين الأخيرة، أصبح العديد من المنتسبين إلى التصوف من أحفاد الشيوخ والصالحين ـ الذين ليس لهم أية معرفة بالتصوف - يديرون الزوايا والمواسم وزيارة الأضرحة بنمط الريع الاقتصادي والتربح الاستغلالي واستثمار التراث الصوفي والروحي لخدمة الأغراض الشخصية والعائلية ومراكمة الثروات والافتئات على أهل الطريقة، فيما يصطلح عليه بالإقطاع الديني.

كما أن التبعية المطلقة لشيوخ الطرق الصوفية للسياسات الرسمية، أدى إلى ضرب مبدإ الاستقلالية المفترض توفرها لدى الصوفي، كي يمارس أدواره الاجتماعية والدعوية، وبالتالي جعل الكثيرين ينظرون إلى التصوف، باعتباره مطية للسلطة السياسية فقط من أجل تمرير قراراتها واستدرار التعاطف الشعبي، كما حدث حين خرج أتباع الطريقة البودشيشية في مسيرات للدعوة بالتصويت بنعم في الاستفتاء على الدستور المغربي في 2011، وهو الأمر الذي لم يستطع الشيخ حمزة البودشيشي تبريره بالمنطق الصوفي، رغم النفي القاطع لحفيده منير اشتغاله بما هو سياسي، وهو ما تفنده شواهد سابقة مثل البيان الذي أصدرته مشيخة الطريقة سنة 2005 بخصوص النظام السياسي في المغرب.

-الاستقطاب الجماهيري

كما أن جاذبية الخطاب الصوفي تضاءلت بشكل كبير لدى فئات واسعة كانت تنظر للتصوف، باعتباره عنوانا للممارسة الدينية السليمة وغير المسيسة ومنبعا للعلوم والأخلاق والسلوك القويم والتربية الروحية بسبب عدد من الممارسات السلبية والكتابات المسيئة التي تصدر عن بعض المنتسبين إلى التصوف على نموذج كتاب التصوف الإرث المشترك لشيخ الطريقة العلاوية خالد بن تونس الموالي للنظام الجزائري الذي خلق جدالا واسعا في المغرب بسبب رغبته في استغلال الطريقة لاختراق المجال الديني المغربي وإيجاد موضع قدم له في الحضرة المشيشية.

باستثناء الإشعاع النسبي الذي يطبع مهرجانات الموسيقى الصوفية والسماع التي يتولى عدد من الجمعيات تنظيمها عبر ربوع المملكة في مختلف المناسبات الدينية، فإن بعض المهرجانات والملتقيات أصبحت مناسبات لتمرير مخططات تغريب التصوف وفصله عن جذوره الإسلامية وقواعده السلوكية والأخلاقية في مخالفة تامة لما يطلق عليه التصوف السني المنضبط بالقرآن والسنة وطريقة الجنيد، وكمثال على ذلك ملتقى (سالكي السلام إلى مولاي عبد السلام) الذي تجاوز حد التقارب بين الديانات وإشاعة قيم التسامح إلى جلب عدد من الأجانب إلى الحرم المشيشي وإقامة ليلة للسماع الصوفي بكنيس يهودي بتطوان، وكذلك مهرجان فاس للموسيقى الروحية الذي يديره فوزي الصقلي المنتمي للطريقة البودشيشية الذي صار له جمهور معين من المتابعين الغربيين يحجون كل سنة إلى فاس من عدد من الدول الأوروبية وفرنسا على الخصوص، حيث تحول إلى مهرجان يروج للحداثة وللتغريب وللفرانكفونية تحت رداء التصوف.

كما أن محاولات ربط التصوف الطرائقي بالقضايا الكبرى الراهنة وإدماجها في منظومته الخاصة بالإصلاح وعملية استقطاب الشباب هي الأخرى لم تعرف مسارها نحو النجاح العملي، بغض النظر عن مصداقيتها، وذلك بفعل عوامل متعددة منها الطبيعة المبهمة الأصيلة التي تربط التصوف الطرائقي بالمجال العام وكيفية التصريف الأخلاقي في الواقع السياسي والاجتماعي المعاصر المتميز بالتعقيد والمختلف تماما عن التصورات الإصلاحية والمعرفية والتجارب الذوقية التي حملها الصوفيون المؤسسون. ونشير هنا إلى أنه في سنة 2012 أطلق عدد من الشباب المنتمين إلى المرجعية الصوفية مبادرة تأسيس الرابطة المغربية للشباب الصوفي، إلا أنها واجهت منذ البداية تعثرا ملحوظا في الانطلاق وهجمة إعلامية شرسة حاولت الانتقاص من التجربة والتشكيك في مصداقيتها وأهدافها.

وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي تبديها بعض الطرائق الصوفية عبر توظيف الملتقيات الفكرية حول القضايا الوطنية لاستقطاب الشباب، فإن المردودية تبقى ضعيفة ومحصورة في الإطار الزمني الموسمي، كما هو الحال بالنسبة إلى الطريقة البودشيشية مثلا التي درجت منذ سنة 2007 على أن يكون موسمها السنوي الأكبر بمناسبة عيد المولد النبوي بزاوية مداغ مشفوعا بملتقى علمي حول التصوف يتبين من طبيعة المواضيع التي تم اختيارها الرغبة في اختراق المجتمع المدني وتوجيه الحقل السياسي والتماهي مع التوجهات الرسمية في هيكلة الحقل الديني.

أمّ فيما يخص مسألة قضية الصحراء المغربية، فقد حرصت الطريقة البودشيشية على أن يكون موسمها السنوي محطة لإبراز امتداداها الروحي في الأقاليم الجنوبية عبر وفود مريديها القادمين من هناك، كما أنها عملت على تنظيم دورة تكوينية لشبابها بمدينة كلميم صيف 2013،لإدراك أهمية الدفاع عن الوحدة الترابية.

ويبقى النشاط الأساسي للطرق الصوفية محصورا في المواسم وزيارة الأضرحة، حيث تعتبر ذكرى المولد النبوي وإحياء ذكرى الصالحين والأولياء مناسبة للاحتفالات الصوفية التي يأخذ بعضها طابعا فلكلوريا شعبيا، مثل موكب الشموع بسلا الذي يرتبط بسيدي عبد الله بن حسون، وبعضها أصبح له سمعة سيئة بسبب انتشار الشعوذة والبدع المختلفة والظواهر السلبية المنفرة من التصوف وأهله، مثل موسم الشيخ الكامل الهادي بن عيسى وسيدي علي بن حمدوش الذي تنتسب إليه الطائفة الحمدوشية بمكناس. غير أن أهم التجمعات الطرائقية على الإطلاق هو تجمع الطريقة البودشيشية بمداغ الذي يحظى بتغطية إعلامية واسعة، وتحضره شخصيات مرموقة من داخل المغرب وخارجه من أتباع الطريقة، والذي لم يعد محصورا على طقوس زيارة الشيخ وأخذ بركته فقط، بل أصبح مناسبة لتدارس المنهج الصوفي وعقد الندوات التي تعرف بمنهج الطريقة البودشيشية في السلوك والتربية حسب منير القادري بودشيش حفيد شيخ الطريقة، إلا أن إشعاع تلك المواسم يبقى محدودا بالفترة الزمنية التي تقام فيها، وتقتصر على استعراض عدد الأتباع والمستقطبين الجدد من الخارج،في حين أن عملها من أجل استقطاب أفراد من التيار السلفي نحو التصوف يبقى محدودا ولا يذكر، حيث لم تظهرمنذ بداية الاستراتيجية الجديدة في اعتماد التصوف كعنصر للتأثير الديني ومواجهة الفكر السلفي أية بوادر تدل على قدرة التصوف الطرائقي على استقطاب أشخاص أو منتسبين قدماء من داخل التيار السلفي نحو الممارسة الطرائقية.

وعلى الرغم من طابع الأزمة الذي خيم على الحقل الصوفي على المستوى الداخلي بسبب الإشعاع المتنامي للحركة الإسلامية (دعويا وسياسيا) منذ بداية حراك الربيع العربي، إلا أنه يجب أن نشير إلى أن استراتيجية الاعتماد على التصوف كمؤثر في ضبط إيقاع السياسة الخارجية في إفريقيا عرف توهجا خاصا بفضل الدبلوماسية الملكية التي تحركت بقوة في دول الغرب الإفريقي في سنة 2013، وجددت التواصل بشكل إيجابي بين مشايخ الطرق الصوفية بتلك الدول ومؤسسة إمارة المؤمنين، وهي الزيارات التي تزامنت مع أحداث كبيرة عرفها الساحل الإفريقي وخاصة الزيارة الملكية لدولة مالي ومشاركة الملك محمد السادس في حفل تنصيب رئيس مالي التي أثمرت عن توقيع اتفاقية مهمة من أجل تكوين الأئمة الماليين وفق المنهج المغربي المعتدل، بعدما عانت مالي خلال السنين الأخيرة من الحركات المتطرفة المسلحة على جزء كبير من ترابها وقيامهم بتدمير عدد من الأضرحة والزوايا الصوفية بمدينة تومبوكتو العريقة التي تربطها بالمغرب علاقات تاريخية وثيقة.

ومن المهم أن نشير هنا، بعيدا عن التحليل السيكولوجي الذي يحب البعض الاستناد إليه في تفسير ظاهرة تراجع المتصوفة عن لعب أدوارهم التربوية والسلوكية في المجتمع، إلى أن أزمة التصوف الطرائقي في المغرب ترتبط في جزء كبير منها كذلك بانعدام الإطار القانوني الذي تشتغل ضمن نطاقه وحدوده الطرق الصوفية، فهي إلى غاية يومنا هذا لا تخضع لأي قانون ينظم عملها باستثناء ارتباطها بالرمزية الدينية والمكانة الدستورية لمؤسسة إمارة المؤمنين، حيث إن الطرائق الصوفية خاضعة بشكل كبير لوصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، على اعتبار أنها هي من تتولى تدبير الشأن الديني، مع العلم أنها هيئات غير حكومية مستقلة تشتغل ضمن نطاق المجتمع المدني لا ينبغي أن تبقى خارج سياق المأسسة التي تعرفها الدولة المغربية منذ الاستقلال بإخضاع نشاطها لنصوص القانون بشكل شفاف ومتسق مع المقتضيات الدستورية، والأمر نفسه بالنسبة لنقابات الشرفاء الخاضعة لوصاية مديرية الجماعات المحلية بوزارة الداخلية، مع استثناء جمعيات الشرفاء التي تخضع لظهير الحريات العامة وتأسيس الجمعيات لسنة 1958.

وقد أثارت مسألة وصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على التصوف والطرق الصوفية انتقادات عدة، لاسيما أن الوزير أحمد التوفيق عرف عنه انتماؤه الصوفي للطريقة البودشيشية التي تسعى حسب البعض إلى الهيمنة على مجال التصوف المغربي وطبعه بمنهجها.

إن تراجع التصوف الطرائقي في لعب أدواره الاجتماعية والدينية في مرحلة ما بعد الربيع العربي يعود بحسب الباحث محمد التهامي الحراق إلى عدد من الآفات داخل الجسد الصوفي التي برزت بشكل كبير مع تجدد الاهتمام العمومي بالتصوف على المستويين الثقافي والاجتماعي، ويجملها الباحث في أربعة عناصر هي: (الإفشائية والطقوسية والحظوظية والتعصبية...)، حيث "إن التأمل في هذه الآفات الأربع يجعلنا نستخلص أنها تؤول إلى ضمور ركيزتين من ركائز التصوف، وهما العلم والتربية، إذ لما افتقرت وافتقدت الزوايا العلم سادت الإفشائية والطقوسية، ولما تراجعت التربية السلوكية سادت الحظوظية والتعصبية، مما جعل الممارسة الصوفية معطوبة وغير قادرة على الذهاب بشكل حاسم نحو الأقاصي، أي نحو المرامي التنويرية والحضارية والآفاق الاحتضانية الروحية ذات الأفق الكوني، مما هو من إمكان التصوف كمعرفة وذوق وأفق. كما يعود تراجع دور المكّن الصوفي في جانب كبير منه إلى الأزمة الثقافية التي تعرفها البلدان الإسلامية والمغاربية على وجه الخصوص، حيث تعتبر الباحثة عائشة البوعزاوي (أن تراجع قيم الصوفية بدأت منذ سنوات الثمانينيات لمصلحة نظرة رجعية عن الإسلام، سببه خطابات منغلقة وغامضة للتيار الصوفي الإسلامي، ما أدى إلى تراجع تأثيره في المغرب العربي."