×

ملاحظة

Please enter your Disqus subdomain in order to use the 'Disqus Comments (for Joomla)' plugin. If you don't have a Disqus account, register for one here

جون اوزبورون

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

علي حسين - ريحانة برس

قال لصديقه الممثل المغمور وهو يلوح له بنسخة من كتاب البير كامو " الإنسان المتمرد " :  ما رأيك ساحول هذا الكتاب إلى مسرحية.

كان جون اوزبورون عام 1954 في الخامسة  والعشرين من عمره يعيش في قارب قديم على ضفاف احد الأنهر ، عندما كتب العبارة التالية في دفتر يومياته :" ما من احد يفكر ! ما من أحد يهتم ، لامعتقدات ، ولا مثل ولا حماس " ، في تلك الايام كان هناك شاب بريطاني آخر ، يستخدم كيساً للنوم في احدى الحدائق القريبة من مكتبة المتحف البريطاني ، التي يذهب اليها صباحا ولا يخرج منها إلا بعد ان ينبه الحارس ان الأبواب ستغلق ، كتب ذات يوم رسالة للكاتب الفرنسي الشهير البير كامو يخبره فيها أنه بصدد تأليف كتاب عن أزمة الإنسان شبيه بروايته " الغريب " ..كان كولن ولسون في الثانية والعشرين من عمره عندما كتب أن " الغريب يقف في وجه البؤس المادي الذي يسود العالم المعاصر " .

في منتصف عام 1955 نشرت احد الفرق المسرحية إعلاناً تطلب فيه  نصوص مسرحية لكتاب جدد ، وما هي إلا اشهر حتى أمتلات غرفة مدير المسرح بمئات النصوص ، غير أن معظم تلك المسرحيات لم تكن سوى " كلام فارغ " حسب تعبير مدير المسرح الذي وجد نفسه يقضي اياماً وهو محبوس في غرفته  يجتر حوارا تافهاً وحكايات مملة ، وبعد ما شعر باليأس ، عثر ذات يوم بين اكوام النصوص على مسرحية لم يكتبها صاحبها على الآلة الكاتبة ، وانما أرسلها مخطوطة في دفتر مدرسي صغير وبخط انيق جدا ،  قرر ان يقرأها ومنذ الصفحات الأولى وجد نفسه مشدوداً لفكرة وحوار المسرحية ، طلب اجتماع عاجل لاعضاء الهيئة الادارية   ، ووضع أمامهم الدفتر المدرسي  على الصفحة الاولى منه مكتوب بخط جميل "  انظر الى الوراء بغضب " تاليف  جون أوزبورن ، مع عبارة تحت العنوان تقول :" ما الانسان المتمرد ؟ .. انه انسان يقول : لا " .. كان المؤلف يعمل كومبارسا بنفس المسرح الذي ستظهر علية مسرحيته فيما بعد 

في تلك الايام كان صاحب احدى دور النشر ينصح الشاب كولن ولسون بان يختصر كتاب " الغريب " – ترجمه الى العربية شاب عراقي متمرد ايضاً أسمه انيس زكي حسن ووضع له عنوان اللامنتمي  - إلى ثلثمائة صفحة ، فمن لديه الوقت ليقرا كتاب بخمسمائة صفحة لكاتب مجهول . كان الكتاب قد كُتب في إحدى قاعات المطالعة بالمتحف البريطاني، مؤلفه  ابن لعامل في أحد المصانع الصغيرة، ترك دراسته في السادسة عشرة،ونجح في التهرب من الخدمة العسكرية بحيلة صغيرة. مارس في شبابه مهناً غريبة ليتفرغ لقراءة كل ما كان ينشر في ذلك الوقت، ويواصل تسجيل ملاحظاته في سجل كبير استدان ثمنه من أحد الأصدقاء.

في الثامن من  آيار من عام 1956  قدمت مسرحية  انظر الى الوراء بغضب  لتتحول منذ العرض الاول إلى رمز لجيل جديد سمي " الجيل الغاضب " ، وليتحول اوزبورون الى ملهم لجيل كامل من كتاب المسرح ابرزهم إدوارد البي وهارولد بنتر وأربال ، ولينتقل معها  أوزبورن من الفقر الى عالم الشهرة والمال ، بعد أن عاش حياة صعبة ، والده توفي بالسل عندما كان في العاشرة من عمره ، ليجد نفسه مع أم عصبية المزاج ، جعلته يترك المدرسة وهو في الخامسة عشر من عمره ، ليعمل بائعا متجولا ، ثم صحفيا على القطعة وبعدها ممثل لادوار صغيرة في العديد من المسارح .

في  مسرحية انظر الى الوراء بغضب ، نجد انفسنا في مواجهة  شخصية الشاب جيمي بورتر، الساخط  على ظلم المجتمع له  ، فهو يعلن في بداية المسرحية انه : "  لم تعد لديه أية قضايا جادة وحقيقية يدافع عنها " فهو يعيش في عالم  " لم  تعد تبدو فيه أية فسحة لأمل " ، ولهذا لابد من ان يرميه وراء ظهره ويذهب باتجاه عالم جديد .

 

في العاشر من آيار أصدرت مطبعة صغيرة كتابا بعنوان " الغريب " سرعان ما نفذت طبعته الأولى ليطبع ثلاثة عشر مرة، في الأشهر السبعة المتبقية من عام 1956 .

بعد أشهر سيكتب أوزبورن إلى البير كامو رسالة يدعوه فيها لحضور عرض مسرحيته ، وسيطلب كامو من صاحب انظر الى الوراء بغضب ، أن يرسل له نسخة مكتوبة بالآلة الكاتبة من مسرحيته ، ليقدمها الى صديقه صاحب دار غاليمار الشهيرة من اجل ترجمتها إلى الفرنسية ، وفي نفس العام يقنع كامو صاحب دار النشر بترجمة كتاب كولن ولسون  ، وسيخبرنا ولسون بعد ذلك أنه سافر إلى باريس عام 1958 ليلتقي بكامو ويطلب منه ان يكتب مقدمة النسخة الفرنسية من كتابه الثاني " الدين والتمرد " .

يعترف ولسون أن عددا من الكتاب كان لهم التاثير الكبير في حياته ، لكن أبرزهم الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجارد والآخر البير كامو فهو يكتب في " اللامنتمي " ان كيركجارد وكامو ظلا يبحثان عن مصدر ازمة الانسان ، هل هي في عبثية وجوده  ام في البحث عن الخلاص "  ، كان كيركيجارد يريد ان يحلّ الوجود الأنساني بكلّ ما يحيط به من قلق وصراع وتوتر ويأس وإيمان وخطيئة ومعاناة ، محل الوجود العقلي الذي حوّل الواقع الإنساني الى مجموعة هائلة من التصورات العقلية :" اية فائدة يمكن ان ترتجى اذا درست جميع المذاهب الفلسفية واظهرت ما في كل هذه المذاهب من تناقضات ، اية فائدة تعود علي لو انني استطعت تطوير نظرية في الدولة ورتبت جميع التفصيلات في كلّ واحد ، وبنيت بهذا الشكل عالماً لن اعيش فيه ، ان ما ينقصني في الحقيقة هو أن أرى نفسي بوضوح ، أن أعرف ما يجب علي ان أعمله ، لا ما ينبغي علي ان أعرفه الا بمقدار ما تسبق المعرفة العمل بالضرورة ، ان المهم ان أفهم مهمتي في هذه الدنيا " .

في الفصل الذي يخصصه كولن ويلسون لرواية البير كامو " الغريب"  يؤكد ان لامنتمي كامو هو أكثر تجريبية من لامنتمي باربوس – مؤلف الرواية الشهيرة الجحيم - بل ان ليفكر أقل منه ، وليس لديه نبوغ ، ولا مشاعر غير اعتيادية ليمنحها ، بل انه لا يملك شيئا من المشاعر ..ويذهب ولسون ألى القول ان بطل كامو " ميرسو " يشعر بلا حقيقيته ، فهو ظل يعيش حياته بنفس المعنى الذي عاش به " روكانتان " – بطل رواية الغثيان لسارتر – كل ما حوله غير حقيقي ..يلوح كامو دائما بهذه السؤال :اذا كنت تعتقد بان الحياة حقيقية ، صرح بحريتك اولا .

في الرابع من كانون الثاني عام 1960 يتعرض كامو الى حادث سير حيث ترتطم  السيارة التي تقله مع صديقه صاحب دار النشر غاليمار بشجرة ، فيموت في الحال ، صباح اليوم التالي كانت الصحف الانكليزية تنشر على صفحاتها الأولى خبر رحيل صاحب الغريب والانسان المتمرد ، بعد بضعة ايام يكتب جون اوزبورون مقالاً يرثي فيه الرجل الذي كان له الفضل في ما وصل اليه من شهرة ومجد وثروة  : " لم يفعل البير كامو شيئاً سوى انه وضع أمامنا افكاراً  كانت هائمة في الطرقات ، لكنه أستطاع بعبقريتيه أن يجعلها اكثر صفاء واصالة وخاض من خلالها حربا على أحداث الزمن الذي نعيش فيه " .

في مساء الرابع من كانون الثاني عام 1960، رن جرس الهاتف في منزل كولن ولسون ، كان على الخط رجل يتحدث بلكنة فرنسية ، وهو يقول : السيد كولن ولسون هنا الوكالة الوطنية للأخبار ، هل تعرف ان البير كامو قتل هذا اليوم " 

يجيب كولن ولسون بكل برود :  انني سعيد لأسمع ذلك .

بعد ايام سيكتب ولسون مقالاً عن كامو وسيتذكر المكالمة :" لم أكن قاسياً في جوابي ، فأحد الأصدقاء دائما ما يمازحني وهو يتحدث بلكنة المانية او فرنسية ، وافترضت انه كان المتحدث ، الذي دائما ما كان يحاول اقناعي ان منافسا لي قد انطفأ " 

ويضيف ولسون في المقال :" كان كامو واحدا من الكتاب الأصلاء في زماننا ، وبدا موته سخيفاً ، فلماذا يتوجب على انسان في مثل شاكلته ان يموت . ان موته كان عبثيا مثل فلسفته في الحياة .. ان رؤيا كامو للحياة هي رؤية شاب غاضب ، بدأ نيتشه ادبه بالطريقة نفسها ، بان ابتلع شوبنهور بمضغة واحدة كبيرة ، بعدها خلق زرادشت ، في حين أيقن كامو ان العبثية و الغثيان هما رؤياه عن الحقيقة الاساسية " .

توفي المسرحي البريطاني جون أوزبورن في الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني عام 1994  عن 65 عاماً ، فقيراً بعد ان أدار النجاح السريع راسه وجعله يقرر الانتقام من النساء بسبب ما عاناه في طفولته من تسلط امه  ، تزوج خمس نساء صرف عليهن كل ثروته . كتب ولسون في رثاء أوزبورن :"  ان  سقوط جون اوزبورن المهني الأكثر دراماتيكية في تاريخ المسرح البريطاني. أدمن الكحول والنساء والغضب وتحول من مليونير الى معوز يائس يبيع مخطوطة"انظر الى الوراء بغضب"ليدفع قسماً من الضرائب المتراكمة، ويتلقى معونة من الصندوق الأدبي الملكي. فقد أوزبورن اتجاهه ككاتب وترك المشاعر السلبية تعتم عقله كغيمة عاصفة ماردة فوق مشهد طبيعي".

في الخامسمن كانون الثاني عام 2013 تنشر صحيفة الغارديان خبر رحيل صاحب كتاب " اللامنتمي " ، واصفة كولن ولسون بانه  

"العبقرية الأدبية الرئيسية في قرننا" .

قال ولسون ذات يوم انه اصدر كتابه اللامنتمي لان حياتنا في المجتمع الحديث هي تكرار لمشكلة بطل رواية الغريب لكامو : " النضال اليومي من أجل الحقيقة  التي تختفي بين عشية وضحاها ، والتي تقوضها التفاهات البشرية والتفاهة التي لا نهاية لها. " 

بعد عام على صدور رواية البير كامو "الغريب" – صدرت عام 1942 يكتب جان بول سارتر:" ليست الجريمة الحقيقية هي ما يحاكم ميرسو عليه ، بل هي جريمة اخرى سيفهمها فهما تاما في النهاية،  عندما يدرك مستوى جديدا من الوعي ، ان رواية الغريب عمل كلاسيكي منهجي مؤلف عن العبث وضد العبث " . 

في دفتريومياته يكتب كولن ولسون: "البشر في قارب واحد، والمهم هو ما يفعلونه بحياتهم".

BLOG COMMENTS POWERED BY DISQUS