واجهة الكتاب

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button

إبراهيم بن مدان - ريحانة برس

يعد المسرح هو أبو الفنون جميعا لأنه يجمع أكثر من فن فهناك فن الكتابة الأدبية، كما تتمثل في النص المسرحي، وهناك أيضا فن أداء الممثل وفن المخرج، والفن التشكيلي المتمثل في تصميم وتنفيذ الملابس المسرحية وفن الإضاءة، وتصميم الرقصات، وفن الموسيقى...

كل هذه الفنون تجتمع جميعها لتكون في النهاية المسرحية كوحدة فنية واحدة. فالمسرح هنا هو أبو الفنون، لكنه في نفس الآن يختلف عن هذه الفنون الأخرى بكونه يأتي كظاهرة جماعية أنتجتها الجماعة تعبيرا عن ذاتها الاجتماعية والنفسية والحضارية.
فالمسرح أو التمثيل هو فن من الفنون التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالحياة الاجتماعية وبالتالي فالعرب لم تكن تعيش تعددا في أدوار الحياة الاجتماعية على حسب اختلاف الأعمال والصناعات والطبقات وبالتالي لا يمكن أن ينشأ فن للتمثيل عند العرب كما أشار إلى ذلك عباس محمود العقاد. فالمسرح كما عرفه عبد الكريم برشيد هو شكل من أشكال التعبير عن المشاعر والأفكار والأحاسيس البشرية وسيلته في ذلك فني الكلام الحركة بالاستعانة ببعض المؤشرات الأخرى.
يعبر الجاحظ في كتابه الحيوان "الحيوان" على أن الشأن في المعاني أما الألفاظ فهي ملقاة على قارعة الطريق يعرفها العربي والعجمي، وعلى اعتبار أننا نعيش أزمة المعاني بلغة أمبرتو إيكو فإن القارئ النموذجي لا يباشر النص مباشرة وهو خاوي الذهن وإنما ينبغي أن يكون حاملا لاستراتيجية قرائية يواجه بها مسكوت النص وغموضه موظفا بذلك كفاءات لسانية وغير لسانية.
لأن معنى المصطلح يكمن في استعماله داخل اللغة يقول فتجنشتاين: "لا تسأل عن المعنى ولكن اسأل عن الاستعمال".
فكتاب المصطلح المسرحي عند العرب للأستاذ أحمد بلخيري هو من منشورات دار البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع بالقنيطرة صدرت طبعته الأولى سنة 1991 ويتألف من مقدمة وأربعة فصول ثم خاتمة وملاحق ولائحة للمصادر والمراجع. فالمقدمة استهلها الأستاذ بلخيري للحديث عن الدوافع التي جعلته يتناول هذا الموضوع بالذات وهو المصطلح المسرحي عند العرب هذا المصطلح الذي يعتبر أن ضبطه حجر الأساس في بناء المعرفة وتطورها، علما أن حياة المصطلحات نابضة دوما لأنه لا حدود للطاقة العقلية والإبداعية للإنسان. يقتبس هنا نصا لجميل صليبا في كتاب" المعجم الفلسفي" يقول: "إن مدار الأمر والغاية التي يجري إليها الكاتب والقارئ، إنما هو الفهم والإفهام. فإذا كانت معاني الألفاظ تختلف باختلاف المتكلم والسامع فكيف تتضح؟ وكيف تفهم؟ إنما التفاهم بألفاظ متبدلة المعاني أصعب من التعامل بنقود متبدلة القيم، فلا بد للعلماء إذن من الاتفاق على معاني الألفاظ، ولا بد لهم أيضا من تثبيت الاصطلاحات العلمية، حتى لا تتبدل الحقائق بتبدل الألفاظ التي أفرغت فيها. إن الألفاظ حصون المعاني، وتثبيت الاصطلاحات العلمية هو الحجر الأساسي في بناء العلم".
فقضية المصطلح هي من القضايا التي شغلت بال الدارسين في مختلف الحقول العلمية يقول جعفر آل ياسين في كتاب "الفرابي في حدوده ورسومه": "لا يمكن فيما أعتقد أن تكون حضارة مزدهرة متألقة في أمة من الأمم ما لم تواكبها جنبا إلى جنب حضارة المصطلح العلمي الذي يكون بحد ذاته الإطار العام لفكر تلك الأمة وعقلانيتها وتقدمها الإنساني كي يتبلور لها عندئذ سمات الثقافة الحقة في مضامير حياتها المتشعبة لتصل في النهاية إلى تحقيق غاياتها المثلى في النظر والعمل معا لبناء صرحها الحضاري الشامخ...، فكلما أحسنت الأمة الدقة والرؤية والعمق في تعريفاتها وتحديداتها ورسومها، بدت أكثر تألقا ونضارة على غيرها من الأمم المعاصرة لها. ص 14.


فالفصل الأول جاء لضحض تلك النتيجة التي توصل إليها الباحثون الذين يذهبون إلى أن الفلاسفة العرب القدامى حينما أقدموا على شرح كتاب "فن الشعر" لأرسطو ظلوا السبيل ولم يهتدوا إلى فهم للأنواع الشعرية الإغريقية، هذا الضلال والجهل كان من نتيجة عدم الاهتداء إلى إدراك طبيعة الشعر اليوناني عندهم حين قرؤوا "فن الشعر" بأدوات ومصطلحات هي من صميم الشعر والنقد العربي القديمين، فمجرد القيام بقراءة تشريحية لتلك المتون مكنت من التوصل لحقيقة دامغة مفادها أن الشراح العرب القدامى كانوا يدركون غاية الإدراك الاختلاف بين الشعر العربي والشعر اليوناني فضلا عن الاختلاف في المصطلح مقدما الحجة والبرهان على هذه الحقيقة،
أما في الفصل الثاني فقد خصص للمعجم والمسرح وتحديد المصطلح من خلال "قاموس المسرح" لجون غاسنر وإدوارد كون/ الإخراج المسرحي لكارل النزويت/ مختارات من المسرحيات العالمية لصالح الباوي/ معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية لإبراهيم حمادة/ المصطلحات الأدبية المعاصرة لسعيد علوش/ مقدمة مسرحية "السحب" لأرسطوفان ( مقدمة أحمد عثمان)
هذا لأن قضية المصطلح لا تقتصر فقط على المسرح دون غيره من العلوم والمعارف الأخرى يقول الأستاذ بلخيري: " الاهتمام بالمصطلح ليس وقفا على المسرح دون سواه من الفنون والمعارف والعلوم. ولكن هذا الاهتمام به شمل أجناسا أدبية أخرى. وهكذا وضعت مصطلحات تخص الجنس الأدبي الروائي كالسرد والصيغة، والرؤية مع، والرؤية من الخلف، والقصة والأقصوصة، والفرق بينهما وبين الرواية على اعتبار أنهم جميعا يدخلون في إطار السرديات الأدبية إلخّ ص 61
الفصل الثالث هنا نجد أن الأستاذ بلخيري يقوم برصد دقيق للمصطلح الدرامي والمسرحي من خلال ما هو متداول ومستعمل في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة والمسرحية منها على وجه الخصوص فهو يعتبره بمثابة معجم درامي ومسرحي صغير ذي بضع عشرات من المصطلحات إلا أنه في نفس الآن يساوي عدد صفحات معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة لسعيد علوش وكذا معجم المصطلحات الدرامية لابراهيم حمادة واضعا لكل مصطلح باللغة العربية ما يقابله باللغة الفرنسية.
الفصل الرابع فقد خصص للحديث عن المصطلح المسرحي واستعماله في الثقافة المسرحية العربية بدءا من رواد المسرح العربي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى اليوم، وكذا استخراج المصطلحات المسرحية واستعمالها في الممارسة النقدية اعتمادا على ما جاء في ثلاثة كتب وهي :


المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة لحسن المنيعي
بنية التأليف المسرحي بالمغرب من البداية إلى الثمانينات لمحمد الكغاط
مسرح عز الدين المدني والتراث لمحمد المديوني.
ثم خاتمة يجمل فيها ما توصل له في هذه الدراسة والمتمثلة في:
رد الاعتبار للفلاسفة العرب القدماء من خلال إزالة الصورة التي علقت عنهم حين اتهموا بالقصور في الفهم والإدراك.
فضيلة الانفتاح الثقافي الذي يؤسس لحوار الثقافات والتفاعل فيما بينها دون الشعور بأي مركب نقص.
دينامية المصطلح المسرحي الذي يتجدد على الدوام ويستمد حركيته من حركية الحياة.
فبما أن المصطلحات هي مفاتيح العلوم فإن مصطلحات المسرحية هي مفتاح علم المسرح.
وفي الأخير يمكننا القول إن الأستاذ أحمد بلخيري استطاع في كتابه القيم هذا أن يتتبع توظيف المصطلح المسرحي في الثقافة العربية القديمة والحديثة انطلاقا من المعاجم ذات الصلة بالثقافة المسرحية ويغني المكتبة العربية ببحث قيم وغني يساعد الباحثين في مجال المسرح ويمكنهم من ضبط المصطلح الذي يعد أساسا في بناء المعرفة وتطورها.