مسؤولية من إحتراق الطفلة هبة بهذا الشكل المؤلم والمريع

خطوط

 الفاعل الحقوقي / نورالدين عثمان - ريحانة برس

من يملك ولو ذرة من القيم الإنسانية فحتما سيتألم ويبكي ويحزن ويغضب لمشهد احتراق الطفلة هبة وسيهتز كيانه لهذا المشهد المؤلم "طبعا من سيتألم هم البسطاء والمقهورين والتعساء من أبناء الشعب الصادقون وليس تجار المآسي من المسؤولين وعلية القوم" خصوصا وأن هذه الواقعة الحزينة تم توثيقها من طرف مواطنين كانوا هناك بواسطة هواتفهم النقالة في مشهد أكثر غرابة وحزنا ففي النهاية هذه إنسانة تحترق وليس دمية أو أثاث منزل يمكن تعويضه مع مرور الزمن.
وبعيدا عن العاطفة وإن كنا في الحقيقة لا نستطيع تجاوزها بهذه السهولة لأن الحدث ليس أمرا عاديا لكن احيانا يتطلب منا أن نواجه الحقيقة مهما كانت مؤلمة ومستفزة لضمائرنا ومشاعرنا من أجل تحليلها بشكل عقلاني على الأقل حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي والآلام لأنه عندما نتجاهل الأخطاء والمطبات وتقصير المسؤولين في أداء واجباتهم وتخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها ونطاوعها في ذلك، فإننا حتما نكون منافقين أو جبناء بالأحرى وبالتالي سنكون قد مهدنا الطريق إلى تكرار نفس هذه الحوادث المؤلمة مرات ومرات.
إن الانطباع الأولي لردة الفعل تجاه هذه المآساة الإنسانية خصوصا في وسائل التواصل الإجتماعي تؤكد أن هناك جهات في الدولة تحاول دفع المسؤولية عنها عبر توجيه الرأي العام بطريقة أو بأخرى لإلقاء اللوم وتحميل المسؤولية بالدرجة الأولى إلى من كانوا يلتقون الصور والفيديوهات لطفلة تحترق دون محاولة تقديم المساعدة إليها في محاولة تصويرهم للرأي العام على أنهم ليسوا بشرا ولا قلوب لهم وجبناء مع تحميل جزء من المسؤولية لأسرة الطفلة هبة نتيجة الإهمال، صحيح أن مشهد إلتقاط الصور كان لا يقل بشاعة من عملية الاحتراق نفسها لكن بالمقابل أليس هذا هو المواطن الذي كانت تريده الدولة وإستثمرت أموالا طائلة في التعليم والإعلام لتبضعيه وتدجينه وجعله متجردا من قيم التضحية والشجاعة والتفاني في خدمة الآخر ؟ مع العمل على تطويعه عبر عقود من الزمن لقتل كل احساس بالكرامة فيه؟
لكن وفي المقابل وعلى بشاعة المشاهد المصورة لعملية الاحتراق هاته هل كان الرأي العام سيعرف بقصة رحيل الطفلة هبة بكل هذه البشاعة لولا عملية التوثيق التي قام بها من كانوا هناك؟ نعم كان سيكتب عنها الإعلام وتستنكر الجمعيات المدنية وتصدر البلاغات مع مطالب بفتح تحقيق في الموضوع وستخرج السلطة ببلاغ تنفي من خلالها الحادث من اساسه وترسل الجرائد الصفراء بشقيها المكتوب والمرئي لعين المكان والاستماع إلى شهود الزور في القضية وفق ترتيب مسبق يتكلمون عن مجهودات السلطة وأجهزتها ولما عن بطولاتهم في محاولة إنقاذ الطفلة هبة من الهلاك، وسيكلمون عن اكراهات الطقس وإهمال الأسرة والتأخر الكبير في طلب النجدة من عناصر الوقاية المدنية وإكتظاظ الشوارع وهلم جرى من الأعذار والتبريرات، وفي النهاية سيتم عن فتح تحقيق في الموضوع عبر بلاغ رسمي ويستمر الأمر شهور وسنوات وفي النهاية سيتم تحميل المسؤولية إلى الأسرة والطقس والجيران.... ويتم طي بعد ذلك الملف وستدخل الطفلة هبة في غياهب النسيان لأنهم يدركون أن هذا الشعب له ذاكرة قصيرة مثل النحلة.

مواضيع ذات صلة :

الرابطة للمواطنة : تعذيب وسب ونتف اللحي وتهديد بالحرق والاغتصاب الجماعي في حق معتقلي حراك الريف

عاجل : وفاة التلميذ "يونس ناصر" متأثرا بحروقه


ومن يكذب في هذا التحليل والإستنتاج عليه أن الرجوع إلى التاريخ القريب جدا وكنموذج على ذلك حادث إطلاق النار على شابين بالدار البيضاء من طرف شرطي وقتلهم بدم بارد فلولا توثيق تلك الجريمة بالصور والفيديو لكانت رواية السلطة هي الحقيقة ومن كان سيشكك فيها فمصيره السجن ومن تابع قصة الجريمة فحتما يعرف حجم التلاعب الذي عرفته منذ اللحظات الأولى، والتاريخ المغربي يشهد على عشرات الأمثلة.
إن من يتحمل مسؤولية إحتراق الطفلة هبة بهذه البشاعة هي الدولة المغربية بجميع أجهزتها وليس من كان يوثق هذه بهاتفه فمثلا ماذا في إمكان هؤلاء أن يفعلوا لإنقاذ الطفلة أمام كل هذه النيران المشتعلة فهل الذين يشتمون ويسبون الآن من وثق تلك الواقعة المؤلمة كانوا سيقدمون شيئا في حال تواجدهم هناك، فكيف من لم يستطع في حياته أن يدافع عن حق مهضوم مهما كان بسيطا أن يزايد على هؤلاء أو سيضحي بحياته من أجل الآخرين علما أنه لم يستطع يوما فتح فمه إلا في حالة زيارته لطبيب الأسنان، لست هنا أدافع عن أحدا ولكن لا يمكن تهريب النقاش إلى وجهته غير الصحيحة في محاولة عن قصد أو بدونه لدفع المسؤولية عن الدولة.
الدولة المغربية تملك أحدث الأجهزة والتقنيات لقمع احتجاجات الجماهير التي تحتج من أجل نيل حقوقها وتوظف في سبيل ذلك آخر ما وصلت إليه التكنولوجيا لكنها في المقابل لا توفر واحد في المئة من هذه الأجهزة لعناصر الوقاية المدنية، الدولة تصرف مئات المليارات سنويا على المهرجانات والمسلسلات التافهة والإعلام الفاسد والجمعيات الريعية والأحزاب الفاشلة والبرلمان النائم والفيلات الفخمة والسيارات الفارهة وتصرف الملايير لتعويضات ذوي النفوذ والسلطة والفاسدين واللصوص لكنها في المقابل تصرف إلا الفتات لتجهيز عناصر الوقاية المدنية من التجهيزات الضرورية لحماية حياة وسلامة مواطنيها، وعندما تقع مثل هذه الفواجع في حق أبناء الشعب البسطاء تسخر اعلامها المرتزق والأقلام المأجورة مستغلة نسبة الأمية المرتفعة في صفوف هذا الشعب والفقر والحرمان وسياسة التدجين التي مارستها منذ عقود بهدف طمس الحقيقة وتحوير النقاش حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى وفاة الطفلة البريئة هبة بهذا الشكل المأساوي مسخرة في ذلك الملايين من أموال الشعب المغربي تدفع لهؤلاء المرتزقة من أجل نسج فصول المسرحية على مقاس أهل الحل والعقد.
كل التعازي لعائلة الطفلة الشهيدة هبة ولترقد روحها الطاهرة بسلام.