خطوط

حسن طارق - ريحانة برس

بغير قليل من الذهول ،نتابع كيف إستسلم كثيرون،بمناسبة تأخر عمل البرلمان ، لعاطفة جياشة مفاجئة إتجاه المال العام ،وكيف أن الذين لم يسبق أن سمع لهم صوت في قضايا الفساد ،وفي زواج السلطة بالمال وإرتباط الاقتصاد بالسياسة، وفي الملفات الصارخة لتضارب المصالح الكبرى، قد أصبحوا يذرفون دموع غزيرة على غياب البرلمان، وهم في ذلك لايلتفتون إلى أثر هذا الغياب على اشتغال المؤسسات أو على منظومة الوساطة السياسية، بل يركزون بهوس غريب على الكلفة المالية لهذا الغياب.
وعندما يفعلون ذلك، يدفعون بمنطقهم الى مداه الاقصى، ليصلوا في نهاية التحليل الى خلاصتهم السعيدة : بأن لا حاجة لنا في النهاية بهذا البرلمان، حيث غيابه أو حضوره لا يغير في الواقع أي شيء، اللهم ما كان من كتلة الأجور المحولة بإسمه!
التركيز على "الغياب" يستحضر في مضمرات الخطاب، الإشادة بالحضور الوازن لمؤسسة أخرى، ليست سوى المؤسسة الملكية، في استدعاء جديد لتقابلات قديمة قائمة على التبسيط والاختزال والقفز على الإختلاف الواضح في الشرعيات والصلاحيات،  تريد أن تصور لنا مغربا سياسيا بسرعتين، وهي مقارنات تستند إلى حقيقة الفعالية الإستراتيجية للمؤسسة الملكية، في الداخل وفي الخارج، لكنها تريد أن تبخس جهد باقي المؤسسات، و تحولها،بكاريكاتورية ظالمة، إلى مجرد عبء ثقيل على مسار التقدم.
تنطلق "الأغنية" الجديدة ،من أن أم المشاكل المطروحة على بلادنا، تتجلى في عطالة البرلمان، و ما يستتبع ذلك من هدر للمال العام.
لا يلتفت هذا الإدعاء إلى واقع الأشياء، حيث رئاسة مجلس النواب هي تعبير واضح عن الاغلبية السياسية، وحيث إشتغال البرلمان مرتبط بفرز أغلبية سياسية يهيكل حولها مؤسساته (حيث الدستور يفترض تنظيم أجهزة ولجان البرلمان وفق معادلة الأغلبية /المعارضة، من ذلك أنه يخصص مثلا رئاسة لجنة العدل والتشريع لإحدى غرف المعارضة، كما أن النظام الداخلي لمجلس النواب يلزم الفرق بتصريح يوضح إنتمائهم للمعارضة أو للأغلبية ).
وحيث زمن التفاوض هو زمن طبيعي في الديمقراطية، فالزمن الديمقراطى المبني على فكرة التناوب، ومنطق العودة إلى الإرادة الشعبية، يحمل بالضرورة في تعاقبه بياضات الانتقال من ولاية الى أخرى .
ذلك أنه وحده الزمن السياسي السلطوي، يتميز بالنمطية و الثبات.