ريحانة برس

مساءلات سياسية للدولة المغربية الحديثة -1-

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 
Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

الشيخ عبد الغني العمري - ريحانة برس

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.

       إن الظروف التي يمر منها المغرب في هذه الحقبة من تاريخه الحديث، قد جعلت من تناول الخصوصية السياسية أمرا ضروريا لفهم واقعنا؛ خصوصا بعد الرّجات التي أحدثها في وعي الشعب، ما سُمي بالربيع العربي، الذي يبدو وكأنه لم تنته "موجاته" بعد، رغم ما يُزعم من استثناء مغربي، يراد أن يُظهر البلد عصيا عليه.

       إن ما سُمي الربيع العربي، لم يكن حدثا عابرا في أمتنا، ولا كان أمرا ظرفيا ذا بواعث سياسية اقتصادية بسيطة، بقدر ما كان بحثا من قِبل الشعوب عن هوية تجعل السياق التاريخي موصول الحاضر بالماضي، موصلا للصحة النفسية الجماعية الضرورية لكل شعب يطمح إلى التميّز والإنجاز.

       غير أن ما يمكن أن نعده تساؤلا من قِبل الشعوب، لم يحظ بجواب شاف يسكّن ما بالنفوس من قلق؛ وإنما زاد من حدة الأزمة عندما فتح آفاقا في الحوار الاجتماعي، لم تكن معهودة من قبل. وقد أدى تسرع مختلف الفاعلين السياسيين، ومسارعتهم إلى الاستيلاء على ما يمكن أن يُعتبر قِطْفا مرحليا -يتجلى في الوصول إلى الحكم في غفلة من الخصوم، كما فعل الإسلاميون في مصر وغيرها- إلى خلخلة للمجتمع، جعلته مواجها لما كان يعتمل فيه تحت السطح، من غير سابق إنذار. ولم يكن الانقلاب على الإسلاميين في مصر، إلا ليزيد من حدة التساؤلات السياسية والتاريخية، التي نرى أنها لن تهدأ إلا إن أُجيب عنها بما يشفي الغليل.

       وإن اكتفاء المغاربة إزاء هذه الهزة العميقة، بتغيير الدستور وبقبول وصول الإسلاميين إلى الحكم، في توافق معلن أو غير معلن، لا يُمكن أن نعتبره إجابة عن سؤال الهوية والتاريخ؛ بل هو نوع من امتصاص الغضب الشعبي وقتيا، في انتظار استجلاء ما تأتي به الأيام. وهذا الارتجال، ليس أمرا مخالفا لما درج عليه السياسيون عندنا؛ بل هو من صميم التلفيق والترقيع والتأجيل، الذي طبع السياسة المغربية الحديثة منذ الاستقلال.

 

       إن التفكك الهيكلي الذي تعاني منه الدول العربية عموما، والذي يكون فيه الحكم بالمعنى الكامل مفصولا عن الحكم الإجرائي المدبر للشؤون اليومية للبلد من جهة، وعن تطلعات الشعوب من حيث هي المعنية الأولى به من جهة أخرى، لا يمكن أن يكون عاملا مساعدا على إيجاد الأجوبة في هذه المرحلة؛ بل نحن لا نشك أن الحكام، قد أصابهم ما أصاب الشعوب من ذهول (وإن كانت الأسباب مختلفة)، زاد من بُعدهم عن الحل، وزاد من ضعفهم بعد تكشف بعض جوانب الحقيقة للجميع.

       وهذه الحيرة العامة، مع ما صاحبها من ارتباك في الأداء، لم تكن لتسهل الأمر إلا على الانتهازيين، الذين يعِدون الحكام والشعوب جميعا ويمنّونهم، بحلول لا يعلمون منها شيئا، إلا ما يوافق أغراضهم وأمراضهم. ويزيد من خطورة هذه المغامرة، بعض سكون موهِم بصواب الآراء، ما يلبث أن يُفضي إلى أسوأ مما كان الأمر عليه.

       لا شك أن جميع الأفرقاء اليوم مطالبون بإعادة النظر في مسلماتهم، وقد ثبت فساد طروحاتهم أمام الواقع الذي لا يقبل الهروب إلى الأيديولوجيا، سياسية كانت أم دينية، في عالم عولمي، من الصعب أن يجد فيه المنفصلون عن السياق التاريخي العام، مهربا أو مُستَتَرا. يوضح هذا، مراقبة دول العالم لنا، ومتابعتها لخطواتنا، من اضطرارها لتحصيل المعرفة بنا في كل مرحلة، حتى تضبط معاملتها لنا بما يخدم مصالحها.

       ومن هنا نفهم رعاية الأمريكيين للجماعات الإسلامية السياسية، ودعمهم لها، عندما رأوا أن الرهان عليها، قد يكون بديلا عن الرهان على الحكام التقليديين، الذين استبدوا بالحكم، لفترات طويلة في بلدانهم، دون أن يرف للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا جفن.

       وبما أن المغرب دولة ملكية صديقة للغرب منذ نشأتها الجديدة (ما بعد الاستقلال)، فإن التوجه هناك، قد انعكس عليها هنا بقبول الإسلام السياسي لاعبا إلى جانب اللاعبين القدامى، الذين ما كانوا يسمحون بهذا من قبل. وهذا يعود بنا إلى ظروف نشأة الأحزاب السياسية عندنا، التي لم تكن في غالبيتها نشأة سليمة، حتى يمكن أن ننتظر منها فيما بعد فعلا سياسيا سليما. كل هذا، لم يعمل إلا على انبهام الوضع السياسي في المغرب، إلى الحد الذي لم يعد أي حزب من الأحزاب ذا لون سياسي مميِّز ودائم؛ وإنما هي أدوار يقوم بها كل حزب بحسب إملاءات "اللعبة" السياسية العامة، التي تُطبخ عادة بعيدا عن أعين المعنيين جميعا.

       ليس الدافع إلى الكيد السياسي، الذي طبع مرحلة ما بعد الاستقلال كلها، والذي تطاحنت فيه الأحزاب أحيانا فيما بينها، هو فساد الطوية وسوء النية دائما؛ وإنما هو انبهام نظام الحكم، وسوء تأسيسه. ذلك لأن الأرضية النظرية الضرورية لتأسيس كل نظام حكم، كانت في المغرب ضعيفة وهشة، تعتمد على الأعراف أكثر مما تعتمد على فكر سياسي معتبر.

       إن النظام السياسي المغربي، لم يعد باستطاعته وقف الانهيار الذي بدأ يصيبه في العقود الأخيرة، وصار يهدد معالم الدولة وبقاءها. إنه من الضعف، بحيث صار متفرجا كسائر المتفرجين، وكأن الأمر لا يعنيه. وهذا لا يدل على لا مبالاة قد تكون نتيجة للأمراض العديدة فحسب، ولكن يدل على عدم امتلاك استقلالية القرار محليا أيضا؛ تلك الاستقلالية التي تمكّن كل دولة من تدبير شؤونها بما يخدم المصلحة "الوطنية" وحدها. نريد من هذا، أن الأنظمة المحلية اليوم، لا يمكن فصلها عن النظام العالمي، الذي بدأ يُحكِم قبضته على الدول القطرية منذ ما يقارب القرن من الزمان.

       إن الشعب المغربي، كأشقائه من الشعوب العربية الأخرى، لم يكن معَدّا لمواجهة وضع شديد التعقيد، كالذي يعيشه اليوم؛ ولم يكن مسموحا له أن يشتغل بالشأن العام، بطريقة سليمة تنبني على أسس علمية صحيحة؛ وإنما حيل بينه وبين ذلك بشتى الطرق، إلى أن صار في شبه إعاقة عن الفعل السياسي الصحيح. وكان من أشد ما أضره من هذا الوجه، ممارسة السياسة "النفعية" التي ولّدت العصابات التي تحكم البلد اليوم، إما علنا، وإما بطريقة خفية.

       إن الطريقة التي تُدار بها شؤون البلاد الآن، والتي لا تختلف عن الحماية الأجنبية إلا بمقدار التخلف والرداءة التي تَسِمها، لن تسير بنا في طريق النجاة؛ وإنما ستسرع من عملية الانهيار وتجعلها أكثر عنفا فحسب. وإن من يقودون المرحلة الراهنة من أصحاب القرار، الذين يتوهمون أنهم ممسكون بزمام البلد، يقودونه بعقلية ما قبل المرحلة؛ وهو ما سيؤدي إلى نتائج عكسية حتما. لم يعِ هؤلاء العجزة بعد، أن ضرورة الحفاظ على ما سيتبقى من معالم الدولة، لن يتأتى إلا بإشراك الشعب إشراكا فعليا في كل شيء...

       ونحن بوصفنا من أبناء هذا الشعب الأصيل، ومن منطلق وجوب النصيحة منا للحكام وللمحكومين، من دون غش لأحد، ومن دون موالاة طرف على الطرف الثاني، سنتكلم لأول مرة في مجال السياسة الوطنية منذ بداية عهد الاستقلال إلى الآن، بأقصى ما نستطيع من شفافية وصدق. نريد من هذا، أن نبرئ ذمتنا عند الله أولا، وحتى لا نحسب من الخائنين الذين يرون المنكر ويسكتون عليه، ويرون الخطر داهما ولا يُحذرون منه.

       سبق لنا أن أشرنا في بعض كتاباتنا إلى ما نحن بصدده هنا، ووجهنا الخطاب في ذلك إلى الملك الذي نرى أنه قد غَلَبَنا عليه، من لا يأبهون لوطن ولا مواطنين، ممن قد انخرطوا في مشاريع إقليمية مناقضة لدولتنا. وإزاء هذا الوضع الشاذ، نرى أنفسنا مضطرين إلى مصارحة أبناء شعبنا، بما كنا نرى أن الكلام فيه ينبغي أن يكون منحصرا في أضيق الدوائر، تجنبا لما قد ينتج عن الإشاعة من دخول السفهاء فيما لا مدخل لهم فيه. ونحن إذ نرى أنفسنا قد أَعْذَرْنا، نتوجه بالخطاب الآن إلى العموم، من دون أن نجعل من أنفسنا طرفا معارضا للنظام، كما قد يظن من لا علم له، أو كما يشتهي من يريد أن يتخلص منا، حيث لم ينفعه معنا الحصار المضروب علينا من كل جانب، والذي كان من آثاره الاعتصام المفتوح الذي نحن فيه منذ أزيد من سنتين من الزمان.

       إن منطلقنا في هذا الكتاب، ليس هو البحث عن موقع سياسي ضمن الخارطة الوطنية، ونحن طريقة صوفية؛ ولا هو تغيي الوصول إلى منصب في جهاز الحكم، وقد زهّدنا الله فيه منذ الشباب؛ ولكن هو تمكين شعبنا من إدراك صحيح للواقع، قد لا يُحصله من غيرنا من المغرضين.

       لا يخفى عن كل عاقل، أن الإخفاقات السياسية المتكررة في أمتنا، كانت ناتجة عن سوء إدراك للواقع غالبا. ولا يخفى أن العمل المتعجل الذي ينساق خلف الأهواء، يسهُل دائما إحباطه بأدنى حركة من خصم متبصر. لهذا، فنحن لا نؤسس بكلامنا هذا لحركة سياسية ما، ولا ندخل في عمل مباشر الآن، رغم ما نجده من محاربة أجهزة الدولة لنا؛ ولكننا نعمل على توعية الشعب بحقيقة ما يكتنفه ويحيط به؛ وله بعد ذلك أن يرى لنفسه بنفسه ما يصلح له، على نور وبينة. نحرص في هذا كله، على أن يكون الكلام مرادا به وجه الله، محذِّرا من كل ما يمكن أن يأتي بغضب الله أو حربه سبحانه. فإنه من يستعدِ الله لا يفلح أبدا، وإن فعل ما فعل بحسب زعمه.

       نسأل الله العلي العظيم، أن يوفقنا لما يرضيه من قول وعمل، وأن يجعلنا ممن يبنون ولا يهدمون، ويصلحون ولا يفسدون، هو مولانا، فنعم المولى، ونعم النصير.

(يتبع...)

   جرادة في ليلة الخميس 7 ربيع الثاني 1438 هـ/ 5-1-2017 م

(كُتب هذا المقال بعد مضي شهر من السنة الثالثةمن الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


صوت وصورة

تواصل معنا