ريحانة برس

الشيخ عبد الغني العمري الحسني.يعقب على بيان الشيخ القرضاوي بخصوص مؤتمر غروزني

تقييم المستخدم:  / 3
سيئجيد 
Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn


     

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه.

       أما بعد؛    

       لقد كنت أهم أن أعقب على البيان الختامي للمؤتمر الذي انعقد في غروزني يوم 21 ذي القعدة 1437 الموافق لـ: 25-08-2016، من أجل التعريف بـ "أهل السنة والجماعة"، لأذكر ما أوافق عليه مما جاء فيه، وما أخالف؛ نظرا لأن المرحلة التي تمر بها أمتنا اليوم، تُعدّ من أخطر ما عرفَت إلى الآن. وقبل أن ييسر الله التعقيب، جاء بيان الشيخ يوسف القرضاوي صابّا فيما كان يُحذر ويُتّقى؛ فرأيت أنه من الواجب علي أن أدلي بما لدي فيما تُنووِل من مسائل، عسى الله أن يهدينا جميعا للتي هي أقوم. فأقول مستعينا بالله، بعد أن أورد كلام الشيخ فقرة فقرة:

 [فإن العلماء ورثة الأنبياء، وهم أمناء الله، {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة:44]. وقد قرر الله تعالى أن من صفات العلماء الصادقين خشية الله في السر والعلن، وفي المنشط والمكره.]:

       إن وراثة النبوة، ليست هي وراثة الكلام من جهة الظاهر وحدها، كما تعلمون ذلك أنتم معشر الفقهاء؛ ولكنها أيضا وراثة علم النبوة من جهة الباطن. وقد أشار الله إلى الفقه الجامع بين الظاهر والباطن، في قوله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120]. وكما أن الظاهر الموروث هو رشحة من ظاهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكذلك الباطن الموروث، هو بعض من باطنه صلى الله عليه وآله وسلم. وبما أن علم الباطن لا يُدرّس في الجامعات، لكونه لا يدخل في علوم الكسب، فإنكم تجهلونه؛ بل تنكرونه، كما سمعنا ذلك منك مرارا. والحاصل، أن العلماء المذكورين في الآية، يكون على رأسهم ورثة النبوة بالمعنى الكامل، الذي يشمل الظاهر والباطن؛ وبما أنك لا قدم لك في علم باطن النبوة الذي على رأسه العلم بالله (وهو غير العلم بالشريعة)، فإننا نرى كلامك بلسان "العلماء" ونيابة عنهم، لا يصح منك، وفي الأمة من هم أعلم وأحكم بلا ريب. ثم إن الكتاب المستحفظ لدى العلماء، ليس هو ألفاظ القرآن وحدها كما تفهمون؛ وإنما هو معانيها التي تدل على الذات من جهة الأسماء، وهو ما لا تحوزه. نقول هذا، لندلك على مكانتك، فإنه يبدو أنك تجهلها.

 

[قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وحذرهم وحذر المؤمنين من خشية أحد سواه: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [المائدة:44]، فضلا عن أن تنحني لهم قامة، أو تلين لهم قناة أمام الظالمين والمتكبرين في الأرض بغير الحق، ووصف سبحانه العلماء الربانيين بقوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب:39].]:

       الخشية المذكورة في الآية من فاطر، هي ملازِمة للعلماء بالله، الذين يضمحلون عند تجلي العظمة لهم؛ وهؤلاء إما أنبياء وإما ورثة. أما علماء الشرع، فإن الواقع يشهد أن لا خشية لهم. ومن ينظر إلى الكِبر الذي يطفح ريحه من أحدهم، يعلم يقينا ما نقول. هذا، من غير أن نذكر فُساق العلماء، الذين لا يخفى حالهم عن أحد. أما الآية من الأحزاب، فهي تصف الرسل عليهم السلام، لأنهم يحيطون علما بالرسالات، جامعون لها. أما الفقهاء من أمثالك، فإنهم مبلّغون للأحكام إن وافقوا الحق فيها، لا الرسالات. وغير خفي أن من علوم الرسالة ما ليس معلوما لكم. وعلى فرض أن الآية تشملكم بالتضمين، فإن المعنى عندها سيكون فرعيا، يخص العلماء العاملين من كل زمان. وصاحب العلم الفرعي، لا يمكن أن يحكم على غيره، مخافة أن يكون هذا الغير على حق لا يدريه هو. ثم إن الخشية المذمومة في الآية، هي خشية أعداء الله والدين، الذين يدلّون على الكفر ويصرّون عليه. وهذا غير ما يُفهم من كلامك الذي يجعل خشية الله في مقابل خشية الحكام؛ وكأنه لا حاكم، إلا وهو شيطان من الشياطين!.. والحكام وإن كانوا عصاة، فإنهم ليسوا كفرة، حتى تنزل عليهم الآية المذكورة. بل إن الحاكم الظالم، قد يصدر منه في وقت ما، ما يكون موافقا لما أمر الله به ورسوله. وموافقة الحاكم هنا، تكون من صميم طاعة الله ورسوله المأمور بها شرعا. وما أرى مذهبك هذا في فهم القرآن، إلا نظير ما فهمه الخوارج الأُول، عند خروجهم على إمام غير مختلف في إمامته رضي الله عنه. ثم لا تنس أيها الشيخ، أن الإباء الذي أشرت إليه بعدم انحناء القامة وعدم لين القناة، سيكون في بعض المواطن من صفات الربوبية التي نهى الله عن الاتصاف بها؛ عندما لا يعتبر الحق الذي ينطق به الحكام أو غيرهم ممن لا يؤبه له في العادة. وعِلم المواطن الذي هو شرط في علم معاملة الله، لا نراك من أهله؛ فاحذر أن تضل على علم، وأنت تحسب أنك من المهتدين. إن الصفات التي ذكرتها من غير تقييد، وفي غير محلها، هي أليق بـ"المناضلين" الذين لا يلتزمون بشرع. والرجولة عندنا، هي التي يأتمر العبد فيها بأوامر ربه، التي من ضمنها طاعة الحاكم في المعروف؛ لأن الحاكم قد ولاه الله أكان برا أم فاجرا. والله تعالى يقول: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]. ومن ولاه الله، لا بد أن يُعتبر ويُعامل بما يليق من توقير، في غير ما إثم أو معصية، كما هو معلوم. وهنا ينفع العلم العلماء حقا.

       أما ذكرك للعلماء الربانيين، فهو في غير محله؛ لأنك لا تعلمهم على التحقيق؛ وإنما أنت تظن ظنا؛ والله يقول: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 36]. ولسنا هنا في معرض التفصيل لنذكر لك حال الربانيين؛ ولا نظنك تحتمل ذلك.

 [وقد تناقلت وسائل الإعلام خبر انعقاد مؤتمر إسلامي، يعقد في جروزني عاصمة الشيشان إحدى الولايات التابعة لروسيا الاتحادية، يحمل عنوان: (من هم أهل السنة والجماعة؟).]:

       إن المؤتمرات الرسمية، والتي تكون تحت إشراف دول وحكومات، لا يأتي منها خير في الغالب؛ لأن الحكومات تخدم أغراضها السياسية، لا الدين. ولولا توظيف الدين لأغراض سياسية من قِبل الحكومات، لكُفيت الأمة شرا كثيرا. نقول هذا على العموم، ونحن لا نعلم بواعث الرئيس الشيشاني، ولا بواعث المشاركين في المؤتمر. وحسن الظن بالجميع أقرب لدينا بحمد الله، ما لم يبد ما يدل على منكر.

       أما مصطلح "أهل السنة والجماعة"، فلا شك هو بحاجة إلى إعادة تحرير وتحقيق؛ لأن التيميين الوهابية قد استولوا عليه، وأخرجوا منه كل أهله. ولم نرك تكلمت عن هذا الفعل الشنيع، ولا نافحت عن مستضعفي المسلمين الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها خارج الملة. نقول خارج الملة، لأن الوهابية يكفّرون كل من عداهم، وينسبونهم إلى الشرك الأكبر. أضف إلى هذا أن كثيرا من علماء الدين، هم وهابية الآن بقدر ما، بسبب ضعف الملكة العلمية لديهم، وغياب النور من قلوبهم العامرة بالدنيا. وما ذلك كله، إلا لأن العقيدة التيمية الوهابية، أكثر مناسبة للعقول الضعيفة المظلمة. ولقد أصبحنا نرى هذا عيانا، ونسمع ما يؤكد قولنا مرارا وتكرارا. وكل من لا يُدرك ما نقول هنا، فليعلم أنه بعيد من الحق، حريّ به أن يعيد النظر في تدينه كله، قبل أن يفجأه الموت وهو على سوء الحال.

 [وقد أزعجني هذا المؤتمر بأهدافه وعنوانه، وطبيعة المدعوين إليه والمشاركين فيه، كما أزعج كل مخلص غيور من علماء الإسلام وأمته، فرأيت أن أصدق ما يوصف به أنه مؤتمر ضرار. فالله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]. وهؤلاء ما تعاونوا على بر أو تقوى. كالذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين.]:

       أما هذه فقد شططت فيها؛ لأن مسجد الضرار الذي ذكره الله في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 107]، ما وصفه الله بذلك الوصف، إلا لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن به. ولقد كان تأسيس مسجد الضرار محاولة للسطو على الإسلام من جهة الظاهر، ومنازعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه؛ في انتظار أن يتم للمنافقين شق صف المؤمنين، الذي يجعلهم متناحرين فيما بينهم ومتقاتلين. وأما المؤتمر المنعقد في الشيشان فإنه لا يمكن وصفه بالضرار، لكون المؤتمرين ليسوا من أهل الباطل التام، الذي في مقابل أهل الحق التام؛ إلا إن كنت ترى أنك بمنزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه، حيث كان يُعرف فريق الحق به حيثما كان. بل إن المؤتمرين، قد تصدوا لِما رأوه هادما للسنة وللجماعة، بما يستطيعون. فهم أولى بالحق منك، وأنت أولى بوصف الضرار منهم، من هذا الوجه.

 [مؤتمر ينعقد برعاية رئيس الشيشان التابع لحكومة روسيا، في الوقت الذي تقتل فيه الطائرات والصواريخ الروسية إخواننا السوريين، وتزهق أرواحهم، وتدمر بيوتهم فوق رؤوسهم بدعوى محاربة الإرهاب، الذي هم صانعوه، وهم أحق بهذا الوصف، وهو أليق بهم.]:

       أما توهم أن المؤتمر تَعرِض له الشبهة بمجرد كونه برعاية رئيس الشيشان، فهو مردود؛ لأن نية الرئيس ونيات المؤتمرين، لا يعلمها إلا الله. وأما إن كانت رعاية الرئيس شبهة في نفسها، فلا أحد يخرج في العالم عن سلطة رئيس. وما كونك في قطر، بمستثنيك من سائر الناس. وأما شبهة كون رئيس الشيشان تابعا لروسيا، فلا يدل على أن المؤتمر حتما موافق لغاياتها. وقطر التي أنت فيها، قد يقول فيها خصومك مثل ما قلت؛ فهل تقبل أنت ذلك لها؟!.. ومع هذا، فلن نقبل أن يقول أحد من غير بيّنة، أنك تعمل في خدمة جهة أجنبية. وأما ذكرك لمآسي إخواننا السوريين، فهو متاجرة بآلامهم، في معرض حجاج كلامي؛ كنا نرجو أن تتجنبه إبقاء لبعض مكانة لك في النفوس.

      [ثم جاء البيان الختامي معبرا عن هوة سحيقة يحياها المؤتمرون والرعاة لهذا المؤتمر البائس، فبدلا من أن يسعى لتجميع أهل السنة والجماعة صفا واحدا أمام الفرق المنحرفة عن الإسلام، المؤيدة سياسيا من العالم، والمدعومة بالمال والسلاح، إذا به ينفي صفة أهل السنة عن أهل الحديث والسلفيين من (الوهابيين)، وهم مكون رئيسي من مكونات أهل السنة والجماعة؛ وكأنه قد كتب على أمتنا أن تظل في هذه الدائرة التي لا تنتهي، ينفي بعضنا بعضا، في الوقت الذي يتعاون فيها أعداؤنا، ومن هم خارجون عن ملتنا وعقيدتنا، ليوقعوا ببلاد المسلمين بلدا تلو أخرى.]:

       أما هذه فنوافقك عليها بشروطها. ونحن مع كوننا نرى أنه من الضروري تحقيق مدلول "أهل السنة والجماعة"، إلا أننا لا نوافق على إقصاء الوهابية من النسبة الإسلامية؛ لأن كون المرء من غير "أهل السنة والجماعة" لا يعني أنه غير مسلم. وكان ينبغي أن يؤكد المؤتمرون هذا المعنى، حتى لا يقعوا فيما وقع فيه المتسلّفة من تكفير كل مخالف. فبقدر ما هي نافعة معرفة معنى "أهل السنة والجماعة"، بقدر ما هو التخندق في الخندق المقابل للوهابية خطير جدا. وإننا نرى أن هذا المؤتمر لم يكن أهله يعون ما أقدموا عليه من شق لصف المسلمين، يمكن أن يؤدي بسهولة -في هذه الأيام الحالكة- إلى اقتتال بين الفريقين، لن يخدم إلا أعداء الأمة. والحكمة تقتضي أن يصبر العبد على المكاره، مخافة الوقوع فيما هو أشد منها. ومن لا يعلم درجات السوء في الأمور، فليس له أن يتكلم فيما هو من الشأن العام للمسلمين. والأولى من هذا كله، فتح باب الحوار بين المختلفين من المسلمين، إن توافرت شروطه.

 

       وأما ذكر أهل الحديث مع الوهابية دائما، فهو تدليس يراد منه إلحاقهم بهم؛ بينما هم في الحقيقة من ضُلاّل هذه الأمة، الذين اجترأوا على ما نعُدّه نحن داخلا في شهادة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله). وكل ما يتكلمون فيه من توحيد، ليس هو منه، بالمعنى الشرعي؛ وإنما هم قوم انطمست بصائرهم، فعادوا إلى عقولهم يحكّمونها في الوحي، فضلوا ضلالا بعيدا. ولو أنهم تأخروا ليتقدم من هو أفقه منهم وأعلم، لجنّبوا الأمة فتنا، ما أصابها في مدتها مثلها. إن الفكر الوهابي الظلامي، ما دخل قرية إلا أفسد دينها؛ ولا خالط قلبا إلا أطفأ نور الإيمان منه؛ إلا أن يكون المرء فيه على غير بيّنة، مقلدا لغيره من غير مطابقة. أما أئمته العالمون بما يقولون، فهم على خطر شديد، لولا التورع لقلنا فيهم لأجله ما لا يتوقعون.

 [وإن أمة الإسلام -وهم أهل السنة- هم كل من يؤمن بالله وكتابه ورسوله.. من لا يقر ببدعة تكفيرية، ولا يخرج عن القرآن الكريم وعن السنة الصحيحة، وهم كل المسلمين إلا فئات قليلة، صدت عن سبيل الله.]:

       هذا الكلام مغالطة كبيرة؛ لأن الأمة أكبر من "أهل السنة" بالمعنى الاصطلاحي. أما بالمعنى اللغوي، فإن كل المسلمين بمن فيهم الشيعة، يُعدّون من أهل السنة، إن كانوا ينوون التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكما تبرأنا من طوام الوهابية، فإننا نتبرأ من ضلالات بعض الشيعة من غير شك. وأما الصدور عن الكتاب والسنة، فكلٌّ يزعمه لنفسه، ولا ننكره على أحد؛ وإن كنا نرى أنْ لا فرقة تكون فيه على الكمال الذي لا تشوب فهمها في الوحي معه شائبة، إلا الطائفة الذين استثناهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما هو معلوم. وهذا يجعل الحق متفرقا بين فرق الإسلام، على تفاوت في حظ كلٍّ منها منه. وعلم هذا على التفصيل، لا يكون إلا لذوي النور البيّن.

 [إن أمتنا التي تمددت جراحاتها، وتشعبت آلامها، لم يعد لديها من رفاهية الوقت، لإعادة الخلافات التاريخية القديمة بين مكونات أهل السنة والجماعة جذعة، في الوقت الذي تئن مقدساتها، وتستباح حرماتها، وتسيل دماؤها في فلسطين وسوريا واليمن، وغيرها.]:

       أما قولك بعدم نفع إعادة الخلافات التاريخية القديمة، فهو صحيح؛ بل إن ضرر هذه الإعادة كبير الآن؛ لكن الكلام بهذا أيسر من الفعل، عندما تبقى كل فرقة متمسكة بموروثها، وكأنها تنتظر من مخالِفتها أن تعود إلى رُشدها، لتعلن فوز سلفها وخلفها على كل مخالفيها، وتأخذ من الجماهير براءة امتلاكها للإسلام كليّة. أليس هذا هو موقف كل طائفة وفرقة؟ بل كل متمذهب منتسب إلى فرقة؟..

     [لقد تجاوز الزمن تلك الخلافات العلمية الفرعية في مسائل العقيدة: مسائل الصفات، والتأويل، والتفويض، والتي تبحث في بطون الكتب، وقاعات الدراسة في جو علمي وخُلُق راق، فإذا بهؤلاء الذين يعيشون خارج العصر يريدون إثارتها وتأجيجها من جديد، وشغل الأمة بماضيها عن حاضرها، وبأمسها عن يومها ومستقبلها، وتمزيق الأمة أحزابا وشيعا، في الوقت الذي يجتمع عليها أهل الشرق والغرب، وينسق فيه أعداء الأمس، لينقصوا بلادهم من أطرافها.]:

       لا، لم يتجاوز الزمن ما أشرت إليه من خلافات؛ وإلا لما اضطر العلماء المؤتمرون في الشيشان، أن يجتمعوا من أجل استرداد نسبة يرون أنهم أجدر بها وأوْلى. نحن لا نحصر وصف "أهل السنة والجماعة" في الأشاعرة والماتريدية، كما أعلن المؤتمر؛ ولا في المذاهب الأربعة من جهة الفقه؛ ونرى أن السواد الأعظم من الأمة، داخلون فيه لا يشذ عنه إلا من أبى. إن ما نرومه جميعا من التفات الأمة إلى ما يهمها في حاضرها ومستقبلها، لا يكون إلا بعد مجاوزة الخلافات الموروثة حقيقة لا قولا وادعاء. وهذا لا يكون، ما دام في كل طائفة من يحرس رأي المذهب ويذود عنه وكأنه الدين كله. وما أكثر من يفعلون هذا، وهم يستبشرون!.. وعلى العموم، فإن كل من ينصر مذهبا مخصوصا أو طائفة، لا يرى الحق إلا فيهما، فلا يصلح للكلام فيما يتعلق بعموم الأمة، وإن توهم هو في نفسه الأهلية. وأهل الجمع على الحق قليل، لا نكاد نسمع لهم اليوم صوتا. وهم محارَبون من طوائفهم ذاتها، قبل سواها. فإنا لله، وإنا إليه راجعون.

 [لم نسمع ممن نصبوا أنفسهم ممثلين لأهل السنة والجماعة كلمة اعتراض على ما تقوم به إيران وأذنابها، من ميليشيات حزب الله في سوريا، والحوثيين في اليمن من قتل واستباحة وتدمير، وبعث الدعاة في أفريقيا وآسيا لتضليل أهل السنة. ولا كلمة إنكار لما تقوم به روسيا، ومن يدور في فلكها، ولا عجب.]:

       إن ذكر إيران وأذنابها في مقابل أهل السنة والجماعة، لا يخلو من تلميح بالتكفير. وإلا فإن كان الأمر متعلقا بالمعاصي والمخالفات التي دون الكفر، فإن أهل السنة لا يسلمون منها أيضا. وإذا لم تتمكن أنت من تجاوز بغضك لبعض المسلمين، فكيف تدعو غيرك إليه؟!.. إننا اليوم بحاجة إلى من يقر بإسلام المسلمين على ما فيهم من عوج؛ ولسنا بحاجة إلى من لا يرى منهم إلا ما يقطعهم عن جسم الأمة. نحن نعلم أن الأمر يتطلب علما واسعا، وحكمة بالغة، لا ينالهما إلا ذو عناية من الله خاصة.

 [وقد تصدر المؤتمر علماء السلطان، وشيوخ العار، الذين سكتوا عن دماء المسلمين المراقة ظلما وعدوانا من روسيا وأذنابها، والذين هللوا للمستبدين في عالمنا العربي، وحرضوهم على سفك الدماء، فأيدوا السيسي في مصر، وبشار في سوريا، وعلي عبد الله صالح والحوثيين في اليمن، وإن جملوا مؤتمرهم -للأسف- ببعض الطيبين من أهل العلم من هنا وهناك.]:

       أما ذكرك للمؤتمرين بما قلت، فلن يجعلك أفضل منهم؛ لأنهم إن كانوا كذلك، فأنت ستكون من شيوخ الثورات المستتبعين للدهماء، والخارجين عن السنة النبوية الصحيحة الثابتة، التي تنهى عن منازعة الأمر أهله. وأما بشار والسيسي وغيرهما، فاعلم أن الله هو من ولاّهم، وهو من سيحاسبهم ويجازيهم. وما أدراك لو أنّ الناس أطاعوا ربهم، لذهب بهم وأتى بمن هو خير منهم؛ وأنّ الناس لما لم يراعوا الله، سلطهم عليهم!.. أفأنت تنكر على الله تأديبه لعباده بمن يشاء وكيف يشاء؟!.. ما هذا الجهل المطبق، والتطاول الأحمق!.. هذا، ولو أنك وأمثالك من الفقهاء قمتم بواجب النصح للحكام في وقته، لكنا بأفضل حال الآن؛ ولكنكم اخترتم وقتها المداهنة والتصنع، على عكس ما تُبدون اليوم.

 [ولنا أن نتساءل: ماذا بعد تحديد أهل السنة والجماعة؟! هل سنسمع لكم صوتا ضد الشيعة والنصيرية في سوريا واليمن والعراق؟!]:

       بل اسأل نفسك: لمَ تزجّ بها فيما يصعب الخروج منه على سلامة؟.. ولمَ لم تكن ممن يقول ليجمع الأمة، لا ليوالي نصفها على النصف الآخر؟!..

 [وإننا نحمد الله تعالى على وعي جماهير الأمة الإسلامية وشبابها، فقد أرادوا مؤتمرهم حربا على صحيح الإسلام ونور الحق ودعاة الحرية، فأخزاهم الله، وتبرأ من بيانه الختامي كبيرهم، فولد المؤتمر ميتا، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18].]:

       إن شطرا من الجماهير لم يَعِ بعدُ الوعي المطلوب، ما دام يسمع لك ولأمثالك. ولست تمثل وحدك الإسلام، حتى تجعل مخالفيك أعداء له. إن هذا التماهي بين المتكلم والموضوع، هو من الأمراض المتفشية بين الفقهاء الغافلين، الذين لا يقوم علمهم بجهلهم. وهؤلاء هم أُسّ البلاء الذي يصيب الأمة في كل مرة، إلى أن يأذن الله بالعافية. وأما الآية التي ختمت بها، فإن العبد يستحيي من الله أن ينزلها على أشد المسلمين معصية لربه؛ فكيف بمن هم من أهل العلم والطاعة كما هو المظنون. فإن أهنتهم أو أردت هوانهم، فما أهنت إلا نفسك، ولا سعيت إلا في هوانها.

 [وأحب أن أؤكد أنني قد جاءني وفد يمثل علماء الشيشان في سنة 2010م، ودعوني لمؤتمر يعقد في الشيشان بعنوان (الإسلام دين السلام والمحبة)، فاعتذرت، وأخبروني أنهم يريدون فيه جمع الجهود، وإحلال السلام والمصالحة، وأن المؤتمر يقام تحت رعاية رئيس الجمهورية، وأثنوا عليه، وطلبوا مني أن أسجل كلمة لهذا المؤتمر، وأن أذكر رئيسهم في كلمتي، فذكرته بما حدثوني عنه. ولم يكن حينها على أرض الشيشان أي نوع من أنواع الجهاد، ليقول الأفاكون: إنني خذلت المجاهدين على أرض الشيشان بكلمتي، ولم تكن سوريا الجريحة تعاني ما تعاني من القصف الروسي المتواصل، الذي أعلن هؤلاء المسؤولون في الشيشان عن تأييده.

ثم وجهت لي أكثر من مرة دعوة مفتوحة في أي وقت لزيارة الشيشان وروسيا والجهوريات الإسلامية هناك، على متن طائرة خاصة يرسلها رئيس الشيشان، ولكني أبيت، والحمد لله على توفيقه.]:

       أما هذا الكلام، فلا يستحق التعليق عليه بالتفصيل؛ وكأنك تقول فيه: لو كنتم تحرصون على الاعتراف بمؤتمركم، لدعوتموني وجعلتم المؤتمر تحت رئاستي؛ لأني عالم الزمان الذي لا يقبل الله من هذه الأمة إلا ما يُمضيه؛ والمؤتمرات تعرفني، كما أعرفها. نسأل الله لنا ولك المعافاة والمداواة.

        وحتى نكمل الصورة للقارئ، فإننا نقول:

إن السلفية الوهابية، والإخوان المسلمين، يريدون جميعا أن يقهروا الأمة على ما تهوى أنفسهم من عقائد وأنماط حكم. ولقد اجتمع المذهب العقدي السلفي، إلى المذهب السياسي الإخواني، في تيار جديد يسمى "تيار السرورية"؛ وصار هؤلاء بجمعهم بين الأمرين يرون أنهم أحق الناس بالدين وبقيادة الأمة، مع جهلهم بما تنبغي مراعاته في أزمنة الفتنة التي نعيش؛ وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ترك توجيها يتعلق بزماننا ولا تعليما. والحقيقة أن ضعف الإيمان بما جاء عن الله ورسوله، جعلهم يتبنون في كثير من الأحيان أفكارا ذات أصل كفري، وهم لا يبالون. فأدى هذا منهم، إلى مصادمتهم لمراد الله ولشريعته؛ إلى الحد الذي ازداد المسلمون معه حيرة على حيرتهم. فمتى يتنبه من يهمهم الأمر، إلى مناشئ الخلل، حتى يعودوا إلى طلب الحق المفضي إلى العمل الصالح المـَرضي عند الله؟!.. أم إن وراء الأحداث وأصحابها، ما لا يخطر بالحسبان؟!.. وما نحسب غضب الشيخ القرضاوي خالصا للدين كما يظن؛ ولكن لعدم إفلاح هذا التيار السروري فيما كان يقصد من غايات، لا نظن أنه صاحب القرار وحده فيها، بمعزل عن مختلف القوى العالمية.

       وقى الله أمتنا كل الشرور، وهدى جميع أبنائها إلى ما فيه الخير، بجاه من أُرسل رحمة للعالمين، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

      وفرغ منه صباح السبت 2 ذي الحجة 1437 الموافق لـ: 03-09-2016.

(كُتب هذا التعقيب بعد مرور ما يقارب الـ "640" يوم، من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

 

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


تواصل معنا