ريحانة برس

في مساءلاته السياسية للدولة المغربية الحديثة الشيخ العمري يتحدث حول ضعف التأسيس وأثره

تقييم المستخدم:  / 2
سيئجيد 
Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

الشيخ عبد الغني العمري - ريحانة برس

نشأت الدولة المغربية الحديثة ضعيفة، بسبب عدم وضوح اختصاصات المؤسسات، خصوصا المؤسسة الملكية، التي كان ينبغي أن تُمنح امتيازات مريحة، تمكّن الملك من التفرغ لمهامه الأصلية. ولسنا نعني بالامتيازات هنا ما يُفهم منها الآن في السياق الحالي؛ وإنما نعني الحصانة الدستورية، التي تجعل الكلمة عائدة إليه في كل أمر، من غير أن يُزاحم من قِبل الأحزاب وأصحاب المصالح.

       قد يقول قائل: إن هذا الذي تدعو إليه، هو الحاصل؛ وهو سبب البلاء الذي تعيشه البلاد! فنقول: هذا ما أُريد للشعب أن يفهمه؛ وهو غير صحيح!.. يحضرني هنا مَثلان لمكانة الملك في الدولة، منهما ندخل إلى تفاصيل المسألة. الأول: هو مثل قائد الأوركسترا؛ حيث لا يمكن أن نضمن انسجام العزف من قِبل كل العازفين، إلا إن توحدت القيادة، أسلوبا وضبطا إيقاعيا. وهو ما لم يتم للملك في دولة المغرب، إلا جزئيا، وبجهد ومجاهدة لأطراف مزاحمة دائما. والمثل الثاني: هو سائق الحافلة، الذي يُمنع على الركاب الكلام معه أثناء سواقته، خوفا على سلامة الجميع. ونعني من هذا أن الملك ينبغي أن لا يُشوّش عليه أثناء معالجته للملفات، إن كان يُراد أن يُتقن عمله. أما واقع الحال عندنا منذ الاستقلال، فمعاكس لما ذكرنا على التمام. فالصراع بين القصر والأفرقاء السياسيين لم يهدأ قط؛ ومحاولات الانقلاب غير بعيدة، تتربص خلف كل ستار. وهذا الوضع، لا يُمكن أن يُفضي إلى خير أبدا.

       نعم، إن الملك الحسن الثاني كان مناورا كبيرا، استطاع أن يواجه المشوشين بأسلوبهم ذاته، من وراء القانون؛ حتى يُعدل الأوضاع قليلا، ويتمكن من تحقيق بعض الإنجازات. غير أن هذا الأسلوب غير القانوني، صار عرفا مثبطا للتنمية الحقيقية من جهة، وفاتحا للباب أمام المافيات المتنوعة، لدخول مراكز القرار من جهة ثانية. وهو الشيء الذي أسس لفساد متنامٍ لا يستطيع أحد إيقافه. وهو في النهاية لا بد أن يأتي على بُنية الدولة عاجلا أم آجلا. وإن ما يراه الشعب من تضخم لعمل المؤسسة الملكية فيما يبدو، ليس هو في الحقيقة إلا ارتجالا منها، بغية تحقيق بعض التوازن.

       سيقول قائل: إن الشروط التي ذكرتَها في البداية، ستؤدي إلى حكم مطلق، لا يمكن أن تكون نتائجه محمودة. ومزاحمة الأطراف السياسية الأخرى للملك، هي التي تحد من ذلك!.. فنقول: هذا كله، لأن التأسيس كان مبهما، تتداخل فيه الاختصاصات. وفرنسا كانت حريصة على أن يكون الأمر على هذه الشاكلة، لتضمن استمرار نفوذها في المغرب. ولو عدنا، نتبيّن محور هذا الوضع ومفصله، لوجدناه رفض القيادات السياسية للمنظور الشرعي للنظام. ولو أن الأفرقاء قبلوه (بعد العلم به لأن الجميع يعانون من قصور في إدراك المسألة)، لانحلت كل العقد التي تليه، بسبب اتساق النسق؛ ولكن ما وقع هو العكس. لذلك تعسرت الأمور، وصارت تزداد تعقيدا مع الزمان...

       ولكل من يخاف الحكم المطلق نقول: لا يمكن أن يؤسِّس الدين لحكم مطلق، لا يستند إلى مرجع يُحاكَم إليه أبدا!.. وهو الذي يدخُل "الحساب" في مفردات تشريعه وتعريفه. وقد اختلط على الناس أمر ولاية الملك الحكم، مع إمكان مراجعته فيما يحكم به؛ وهما أمران مختلفان، غير متداخليْن. نعني من هذا، أن الناس لا يجوز لهم الاعتراض على تولي الملك المنصب، من كون التنصيب إلهيا؛ ولكن يجوز لهم مراجعته ومراقبته فيما يعمله في حكمه، إعانة له على العمل بأمر الله. وهكذا يأمن الملك على نفسه، سواء وافقه الناس الرأي أم خالفوه. ونحن في المغرب، لم يُميِّز واضعو الدساتير بين الأمرين، حتى يقطعوا عرق الدسيسة والخيانة من أصله. فنتج عن ذلك طعن من طرف البعض، في أهلية الملك للحكم. وهو أمر، لو كان الحكم قد شُيّد على أساس متين، ما كان ليحدث؛ أو لكان يعاقب أصحابه بأشد العقوبات، لو حدث. بينما في الوضع الحالي، نراهم يسرحون ويمرحون، وكأن ذلك من صميم حقوقهم. وهذا، يضعف الدولة في النهاية، ويجعلها تيارات متضاربة، كالأوركسترا الذي يعزف بعض أصحابه عزفا مستقلا عن القائد، والذي لا بد أن يختل عمله وأداؤه تبعا لذلك.

       أما كيف يضمن الناس عدم خروج الملك عن الجادة، فإن ذلك يكون بإنشاء مجلس للحكماء، بوصفه هيئة استشارية عليا، (يتكون ممن لا مأرب لهم في العاجلة، ويكون همهم المصلحة العامة حصرا) يراقب عن بعد عمل الملك. فإن رآه قد شط، يسائله بأدب وتوقير، حتى يعلم مستنده ودليله؛ فإما يقرّه بعد ذلك، وإما يرده إلى الصواب. لكن هذا لا يكون، حتى يكون البلد مرتضيا لحكم الشريعة، التي هي بناء إلهي متكامل. أما إن اختلطت المرجعيات، كما هو الحال اليوم، فإن ذلك يعسُر. ولا بد أن يدخل البلد من جراء ذلك -شاء أم أبى- فيما دخلنا فيه... وهذا الذي نذكره هنا، هو ما عملت به إيران في نظامها بعد الثورة. فجعلت المرشد موجها عاما للبلاد، وجعلت الحكومة والبرلمان (الرقابة المباشرة) يتوليان وضع القوانين الإجرائية وضبط العمل بها؛ وجعلت الرقابة لمجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يعد حارسا أعم من البرلمان. وحتى لا يظن ظان أننا ندعو إلى نظام "ولاية الفقيه"، فإننا نذكّر بأن ما هو خصيصة في النظام الإيراني لولاية الفقيه، هو ربط الحكم بالإمام الغائب فقط؛ وأما هيكلته، فهي استنباط يمكن أن يعمل به كل مجتمع. ومع نظام كهذا، لا يمكن أن يُقال بالحكم المطلق أبدا.

       إن نظام الحكم المختل منذ التأسيس، كما هو عندنا وعند جيراننا، لا يمكن أن تسير أموره في وضوح وشفافية قط، بسبب الصراع بين المؤسسات والأفرقاء. وهنا يتأسس في الظل، جهاز يرعى مصالح اللوبيات وذوي النفوذ، يخترق كل أجهزة الدولة الرسمية ومؤسساتها. وهذا هو ما يسميه المغاربة العالمون "المخزن"، ويسميه غيرنا "الدولة العميقة"، أو غير ذلك من الأسماء. وتواجُد النظام الخفي إلى جانب النظام المعلن، نسبي بحسب الحدة التي يُدار بها الصراع السياسي في البلاد. فقد يكون النظام الخفي ضعيفا، كما يمكن أن يفوق في قوته الدولة الرسمية، ويبتلعها. ووجود النظام الخفي هذا، عام في جميع دول العالم؛ غير أنه عندنا (العرب عموما مع الدول "النامية") أشد ظهورا، بسبب التخلف العام الذي يسم المجتمع.

       و"المخزن" عندنا في المغرب، ليس هو الملكية كما يتوهم قوم؛ ولا هو يأتمر بأوامر الملك دائما، كما يخمن آخرون؛ وإنما هو منظومة قائمة بنفسها، مستقلة في توجهاتها التي لا تتجاوز بالنظر، إحكام السيطرة على الأموال كلها، بجميع الوسائل. وللمخزن أذرع تخترق جميع المؤسسات والإدارات والمصالح، ليضمن لنفسه الغلبة، إن ووجهت مصالحه بالتهديد. والملك مع المخزن، ليس له إلا أن يدير الصراع على القيادة بوسائله الخاصة، التي قد تفلح حينا، وتخفق آخر. كل هذا، وعوام الشعب ينسبون -جهلا- كل ما يظهر من المخزن إلى الملك. لهذا السبب، لا يستطيع الملك إصلاح وضع البلاد، وإن كانت له إرادة ذلك. بل إنه قد يخاف على نفسه، إن هو واجه المخزن مواجهة صريحة وتامة. ولا يمكن أن يغير من هذه الوضعية الشاذة، إلا وعي الشعب بما يجري أمام أعينه، وهو لا يدري. هذا هو ما سيجعل للملك ظهيرا في محاربة الفساد، ويحميه من صولة المفسدين وعصاباتهم المنظمة. من أجل هذا، كنا دائما نحض الشعب على التمسك بشخص الملك، وإعانته على ما يشير إليه في كل خطاب. غير أن ما نراه، لا يدل إلا على أن الشعب لا يزال تحت تحكم المخزن، الذي يوهمه بخلاف الواقع، ويجعله يخدم مشاريعه في النهاية، وهو لا يشعر.

       بقي أن نعلم أن هذه الدولة الخفية، التي تقتات على الدولة الحقيقية، كما تقتات الدودة الشريطية على غذاء الجسم البشري، هي على صورة الدولة نفسها؛ فتجد منها العسكريين، وأهل الاقتصاد، وعلماء الدين، والسياسيين (الأحزاب)، وأهل الثقافة والفن، والرياضيين، وغير ذلك... بل إن من أهلها قيادات لجماعات إسلامية تزعم أنها من أجل الإصلاح تعمل. ومن كان ذا بصيرة، فإنه لن يخفى عنه جنود المخزن حيث كانوا، إن هو تتبع المؤشرات التي بيّنّا.

       وبما أن المخزن غير قانوني في أصل نشأته، فإن له من القوة ما ليس للدولة الرسمية؛ لأنه مطلق اليد في أعماله الدنيئة. لا يحتكم إلى شرع ولا إلى قانون، وكل شيء عنده مباح؛ بعكس الدولة الرسمية التي هي مقيدة جدا بالقانون. ومن هذه الحيثية، تجد الدولة الخفية تعادي الدين الحق، وتضطهد المتدينين الصادقين، وتنشر الرذيلة، وتدافع عن أهلها وتحميهم. وعلى العموم، فإنها تصير دولة للشيطان، يدير منها أعماله في البلد.

       أما إخواننا العلمانيون، الذين يقولون بنبذ الشريعة عند تأسيس نظام الحكم، لتجنب كل ما ذكرناه من صراعات ونتائج، مع تداول السلطة على الطريقة الديموقراطية، فإننا نذكّرهم أن قياس أمر شعوبنا، على سوانا من الشعوب ذات الحضارات المخالفة لنا، لا يصح؛ لأننا شعوب ألفت الاستبداد، واستمرأت الهوان لقرون. وشعوبنا من خلفيتها الإسلامية، لا تقبل بغير حكم الله. الشرط الوحيد لها، هو أن يكون حكما ربانيا حقيقيا، لا خادعا، كما نراه عند مَن وصل إلى الحكم من إسلاميينا.

       إن الشعب المغربي عليه أن يعلم، أن كثيرين منه، عاملون للمخزن وجنود من جنوده، وإن كانوا يشتمونه صباح مساء (المخزن براغماتي لا يهتم بالشكليات). إن الاصطفاف إلى جانب القانون في المعاملات، وفي أعمال الإدارات؛ وإنْ أصاب الناسَ من ذلك ما أصابهم من بلاء؛ وفضحَ المخالفين والمحتالين والمرتشين، هو الطريق إلى مناصرة الدولة الرسمية على الدولة الطفيلية. وهذا الخيار، لهو بيد كل واحد من أفراد الشعب؛ يعلم منه سريعا إن كان مواليا للحق أم للباطل. ومن اختار أمرا، فلا يكن من الغباء بحيث ينتظر نقيضه!..

       ولعل من أشد ما يحيّر ذوي الألباب، استمرار الدولة على نهجها عينه، مع ظهور علامات الانهيار، وبوادر زوال الحكم بالتمام. ويتساءل الناس: أليس لأهل القرار عقول يعقلون بها، ويتجنبون الدمار؟!.. والحقيقة هي أن الأمر إذا وصل إلى هذا الحد، فإنه يدل على أن الدولة الخفية قد ابتلعت الدولة الرسمية. وأصحاب الدولة الخفية، لم يعتادوا على التفكير في مصلحة البلاد ومآلات العباد. لذلك تجدهم حتى في آخر مراحل الانهيار، ما يزالون ينهبون ويغتصبون، وكأن شيئا لم يتغير. وهذا أمر حتمي لا بد أن تصل إليه كل دولة، سمحت للفساد باختراقها وامتصاص دمها.

       لا ينبغي أن ننسى، أن الأمر في البداية، قد بدأ صغيرا، يُراد منه غلبة خصم، أو الحد من حركة آخر؛ وأن كل هذا، كان بسبب انبهام التأسيس، وتداخل الاختصاصات. حقيقة، إن البدايات تدل على النهايات!...  

(يُتبع...)

(كُتب هذا المقال بعد مضي أكثر من شهر من السنة الثالثة من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


صوت وصورة

تواصل معنا